المشاركات

إحدى عشر سنة تدوين

صورة
  أن تكون مدوّن، أي أن تكون مخلص، مخلص للمعاني العابرة، وللتفاصيل التي لا يكترث بها كثير من الناس، مخلص للحظة، وللكلمة، وللنغمة، وللصورة، وللنكهة، وللضحكة، وللدمعة، ولكل ما عبر في الحياة، لكنه استقر في داخلك، ستكون مخلص له. هذه سنتي الحادية عشر مع التدوين، مع العيش مخلصة لحياتي، من خلال كلماتي. خلال هذه السنة، لحظت تفرّع الرغبة التدوينيّة في داخلي، والتي أخذت بي من منزلي الذي أنثر فيه كلماتي، إلى منازل أخرى تطل على المعاني التي أود التدوين عنها لكن بإطلالة مختلفة، فقمت بإنشاء ( قناة يوتيوب ) أوثّق فيها تفاصيل منوّعة واعتياديّة، لكن بطريقتي الخاصّة، كما قمت بفتح ( قناة صوتية ) في ساوند كلاود لنفس الغرض. فلقد التمست فيّ حسًّا إضافي لتوثيق المرئيّات والصوتيّات، وكانت تلك الرغبة ملحّة بشكل كبير، لدرجة ارتباطها بالمعاني التي أود الكتابة عنها، وكأنها ستكتمل بها. على كل حال، لم يؤثر ذلك قط على حبّي وولائي وانتمائي للتدوين الكتابي، بل كان متفرّعًا منه، وغير منفصل عنه، فكانت تلك الصوتيّات والمرئيّات تابعة لمحتوى التدوين الكتابي هنا، فهو الأصل الذي غرست فيه المعاني، ونمت فيه سيقان الأمان...

ماذا يعني أن تكون بسيطًا ؟

صورة
  هل من المعقّد في الوقت الراهن أن تكون بسيطًا؟ هل من المعقّد أن تستبدل حاجتك للشيء إلى حاجتك للشعور بالشيء، هل من المعقّد أن تقتنع بأن قطعة الكعك الصغيرة بنفس لذة كعكة ذات ثلاثة طوابق؟ ربمـــا، ولكن ذات السؤال يوحي لي بأن نقيض البساطة نفسها هو التعقيد، البساطة مرادف للانبساط والانسيابيّة والطلاقة والانطلاقة، أما نقيضها فهو التعقيد والتكلّف والانقباض والانكماش. وكأنك تعقد بينك وبين الأشياء عٌقد، تنأى بك عن مرونة تلقّيها والتعاطي معها بأقل ما يمكن من الكلَفَة. فأن لا تكون بسيطًا، يعني أن لا تمتلك انبساط وانسيابيّة تجاه معطيات الكون والكائنات. أشرت للوقت الراهن في البداية كوني أرى بأنه وقت يعج بالنقائض (التي تشكّل ذلك التعقيد المضاد للبساطة)، كالأمور التافهة المسيطرة، والأمور العظيمة المهمَلة، والكثير مما لا يمكن تفسيره على محمل الجد أو حتى الفكاهة، فنحن اليوم نعيش واقعًا افتراضيًّا، وافتراضًا واقعيّ! فربما من الصعب على نفوسنا البشريّة (التي أؤمن بأن مبتدأ تشكيلها وأصل جوهرها هو البساطة) أن تتغلب على تعقيدات الزمان والمكان الراهنيَن، ومحاولة أخذ الأمور على محمل الانبساط، الذي لا يك...

ماذا لو وجدتَ شريكًا؟

صورة
  أكتب هذه التدوينة دون أي إعداد مُسبق ودون أي تصوّر مُسبق عن فحواها وطول أو قصر محتواها، أكتبها فقط لأنني أريد أن أتحدّث عن موضوعها، وسأكون في صفّ قرّائها لأتأمّل برفقتهم إلى أين سيأخذنا هذا الحديث. فأنا أثق وبشدّة بأن الدوافع أثمن من الغايات، وها أنا أكتب بفعل دافعٍ داخليّ. طرحتُ سؤالًا داخليًّا بكل صراحة عن أثمن ما يمكن أن يقدّمه الفرد في المنظومة البشريّة أو الكونية؟ ما هي البادرة التي ستحظى بالمرتبة الأعلى من حيث السموّ والإنسانيّة ودعم فكرة الحياة؟ فعلاً ماهي؟ لم أُجب تلك التساؤلات بجواب عشوائي، بل كان حاضرًا بعد سلسلة من الدلائل المرتبطة ببعضها لتأكّد صواب الإجابة. أثمن ما يمكن للفرد المساهمة به في حياته هو تكوين أسرة. نعم، أعظم بادرة إنسانيّة يقدما الفرد هي إنجاب إنسان جديد إلى هذا العالم، وكما سمعت كثيرًا من أمهاتنا الغاليات: "قالوا وش أصعب من خروج الروح، قلنا خروج الروح من الروح". أن تنجب إنسان أي أن يكون لك قلب خارج جوفك، أن تمد فردًا في هذه المنظومة بالحياة، بالتوحيد، بالنور، وبالدعم، وبالإنسانيّة. وكما أنّك أُنجِبت، فهذا هو أثمن ما قد حدث لك، والذي يرتبط بكل ...

زهور ديسمبر – يوميّــات

صورة
  شهر ديسمبر بدأ ليلته الأولى بهدايا وبالونات هيليوم وباقة ورد، كانت مفاجئة لطيفة في جوّ حنون من أسرتي لخطوتي المهنيّة، حرصتُ جدًا أن تمتد حياة تلك التفاصيل، أطلقت بالونات الهيليوم في السماء بعد أن خططتُ عليها رسائلَ القدَر، أما الزهور فقمتُ بفرز أصنافها في مزهريّات مختلفة، انتهى بها الأمر بأن يكون ورد الجوري في منتصف غرفتي، وزهر اللؤلؤيّة ( الذي التقطته في الصورة العلوية) في الزاوية اليمنى بقرب المذياع ومكتبتي، أما زهور الأقحوان فضلتُ بأن تكون على مقربة مني، على سطح مكتبي الذي أعملُ عليه، فكانت الغرفة طيلة الأسبوع بستان متواضع. بالمناسبة، العناية بالورد تتطلب مجهود خاص، فهي تختلف عن نباتاتي الخضراء الكثيرة التي عاشرتها زمنًا طويلًا، والتي أقوم بريّها كل جُمعة وتتمتع بقناعة عالية بهذه العناية الأسبوعيّة، وتمارس النموّ بشكل زاهي، حتى بدأت تتدلّى من على رف النافذة إلى الداخل، وعلى الكتب، وبقرب إنارة المكتب. أما الورد، فوضعه مختلف، وغروره مختلف، فكنتُ أقوم بنقل تلك الزهريّات نهاية كل ليلة إلى الثلّاجة وتغيير ماءها وتشذيب أوراقها. لا مشكلة، فالشعور بالزهوّ عند تأمّل تلك الزهور الضاحك...

يوميّات أسبوع خريفيّ

صورة
كان أسبوعًا لطيفًا، كلطافة الأجواء المتطلّعة للشتاء. أحب جدًّا أجواء هذه الأيام، أخرج دائمًا للتمتع بها، أقرأ ورد أو كتاب أو أهاتف صديقة أو أنصت إلى مفضلاتي الصوتية. وفي ذات الوقت، أحاول التأقلم مع ساعات الليل الطويل في هذا الموسم الخريفيّ. جلستُ طويلًا أمام مكتبتي لاختيار كتاب لهذا الموسم. أريده كتابًا طويلًا، لكن دون حكاية تُزحِم ذهني بالأسماء والأحداث، ودون فلسفة تتطلب تركيزي وحضور مفاهيمها في إدراكي، كذلك لا أفضل كتاب تطوير للذات لما يتطلبه من إقبال ووعي ذاتي. اخترت كتابًا طويلًا يلائم القراءة الطويلة التي قد ترخيني بعد زحام الالتزامات، وفي ذات الوقت ذو محتوى استطلاعي، لا يرتبط بتسلسل روائي أو ما شابه. الكتاب هو (تاريخ القراءة) لألبرتو مانغويل. مستمتعة حاليًّا في قراءة الفصل الأوّل منه، إلى الآن لم يشدني مستوى الترجمة العربيّة، لكن المفاهيم سلسلة ومنسابة وجميلة، كونها تقف على القراءة، كفعل، وتفسير، وتبرير إنساني. أحببت هذا الاقتباس في الصفحة 18 من فصل (الصفحة الأخيرة): إنه القارئ الذي يفسّر المعنى المقصود بالعلامات؛ إن القارئ هو الذي يتعرف في موضوع ما، أو مكان ما، أو حادث ما، ع...

أيّام وليالي | يوميّات تدوينيّة

صورة
منذ نهاية أغسطس وحتى بداية نوفمبر وأنا أشعر بأن الحياة تركض، تركض بسرعة، لا تمهلني لألتقط أنفاسي، وأقضم اللحظة، وأمضغ الوقت، وأستلذ بساعات اليوم والليلة. كانت أيّامًا ولياليَ متناسلة، تتوالد بسرعة، وعليّ رعايتها بكل ما أوتيت من اهتمام، مهملةً رعايتي. كان هذا الأمر متوقّعًا كوني أنحى منحًا جديدًا في حياتي المهنيّة. وحين أقول جديدًا، فأنا أعني أنّه جديد على خبرتي وتجاربي السابقة، لذا، استوعبت هذه الحقيقة، واعتزمت منذ البداية خوض هذه التجربة بهدف مراقبة ذاتي خلال سيرها في هذا المنعطف. وقد كان أكثر ما لحظته خلال الأشهر الماضية هو أنني أركض، والركض أتعبني، وجعلني غير مؤهلة للعيش براحة بال مع روتيني، بكامل ارتوائي ورويّتي! بصراحة أرى بأنها مشكلة إن كان كل ما أمارسه من تجارب جديدة تحمل قدرًا من الالتزام سوف أعتبرها قيد لي ولحريّتي للعيش براحة وسلاسة. لذا تساءلت عن كيف لي أن أعيش التجربة بآدائها كما يتطلب الأمر ولا أهمل لياقتي الشخصيّة، في الطقوس المسليّة، الهوايات، العيش في اللحظة، بدل التفكير فيما كان وما سوف يأتي، وكأن العقل غدا مبرمجًا على إنهاء المهام والتفكير بالمستقبلي منها، الرتابة وال...

نور الله

صورة
  في ظِلال معيّة الله نور، وفي مفارقته ضلال، الله، لفظ الجمال والجلال، منبع الحب، أصل السكينة، وبلوغ المُحال. الروح من روحه، والجسد طوع اصطفائه. مرعبةٌ تلك الفكرة التي تحتمل تخلية الله بينك وبين نفسك، أن تنفصل عن المَدَد، أن تسبح وحدك في اللا حد، لا ترُوى رغم بحورك الغزيرة، ولا تجد مخرجًا رغم الأبواب المشرّعة، ولا تلتمس أُنسًا رغم الجموع. فكرة اللا اصطفاء، فكرة التخلّي، وأن تكون أنتَ، ونفسكَ المحتالة، ودنياك المختالة.. كل الحكاية. تقف الدنيا على قلبونا، بكل ثقلها، بكل مباهجها ومواجعها، بكل ركامها مما نحب أو ما لا نحب، تقف على قلوبنا، على جفوننا، على أطراف أصابعنا، نسير بها، أو نُسيّر لها، كما لو أنّها نحن، كما لو كانت بدايتنا والنهاية، ونَنسى فنُنسى. ننسى عالم النور، ذرّات البشر، ولحظة الميثاق، ننسى أننا كنّا هناك، قبل المجيئ إلى عالم ملغّم بالنسيان، أو التناسي، عالم يؤول إلى التلاشي، لكننا لم نزل نصدّقه بفكرة الخلود. فنحن نجيد الإيمان بما نراهُ، وترهقنا فكرة الغيب، ننغمس في الموجود، ونميل إلى المُشاهد، ونركنُ الروح في الطابق السفليّ من الذكرى، تحت أكوام من الموجودات، وهي تستجدي ...