الخميس، 8 نوفمبر 2018


  نظرية اللاشيء


ضمن أحد اللقاءات العابرة لإحدى أمسيات كامبريدج بإنجلترا دار أوّل حوارٍ بين ستيفن هوكينج وزوجته جين ويلدي قبل زواجهما والذي استهلّهُ ستيفن بالإشارة إلى اهتمامه بعلم الكون، لتبادله جين باهتمامها بالفن، و بذلك ابتدأ الحوار و الذي انطوى على أسئلة سطحية بينهما، تجاذبا فيها أطراف الأفكار عن اللغات و العلوم و الدين.

- سألت جين ستيفن قائلة: ماذا يعبد علماء الكون؟ 
- فأجابها: معادلة توحيدية واحدة والتي توضح كل شيء في الكون (نظرية كل شيء).   
- قالت جين: وماهي تلك المعادلة؟ 
- قال ستيفن: هذا هو السؤال، فأنا لست واثقاً جداً بعد.. ولكنني عازم على اكتشافها.


ستيفن ويليام هوكينج أحد علماء الفيزياء النظرية و علم الكون و الذي ذاع صيته على مستوى العالم. حيث ولد في أكسفورد لعام 1942 ودرس في جامعة أكسفورد ليبحر في عالم الفيزياء و يحوز درجة الشرف الأولى فيه و التي كانت طريقاً ممهداً لإكمال مسيرة شغفه العلمي في جامعة كامبريدج للحصول على الدكتوراه في علم الكون. لم يمل ستيفن من رحلتة حول الكون والسعي نحو إثبات ماهيّة نظرية الكل شيء، فعمل على أبحاث نظرية عديدة في مجال علم الكون و الارتباط بين الثقوب السوداء و الديناميكا الحرارية و التسلسل الزمني. 

القتال من أجل الفكرة:

في السابق، كان ستيفن شاباً مهوساً بتلك الأفكار الكونية، والتي شكّلت منه شخصاً ذو سعي دائم نحو القراءة والاطلاع والتفكّر و البحث عن الإجابة لكل سؤال يُطرَح حول آفاق الكون الشاسع في مرحلته الدراسيّة. لم يكن ليفوّت المحاضرات والواجبات الفيزيائية مهما استعصت عليه إجاباتها وفك ألغازها، لم يكن ليتوانى عن المحاولة و الهرولة نحو القاعة في كل صباح لبدء رحلة اكتشاف جديدة، حتى انتهى به المطاف ذات يوم إلى السقوط على وجهه في ساحة الجامعة بفعل عدم الاتزان الذي كان يراوده منذ فترة، والذي أسفر عن إصابته بمرض العصبون الحركي.






لم يكن ستيفن يعلم بأن هذا المرض يعني خسارته لحركته تدريجياً، وإصابته بالشلل في أعضائه شيئاً فشيئاً مع لوقت، واحتمالية عيشه لمدة لا تتجاوز السنتين فقط، حتى اختلى بطبيبه ليعرف الحقيقة القاسية. ولكنه وبالرغم من وقوعه تحت صدمة العجز الأولى، تذكّر عقله المليء بالأفكار الكونية و الألغاز التي لم تُحل بعد، و خشيَ أن يكون مصيرها إلى النسيان و الهذيان.. بفعل هذا المرض. لكنه سرعان ما اطمأن حين أجابه الطبيب بأن أفكاره الدماغية لن تتأثر بالمرض، و ترك له كلاماً عريضاً مفاده أنه لن يعلم أحد بتلك الأفكار التي في دماغك ما دامت حبيسة الدماغ فقط. من هنا قرر ستيفن القتال من أجل الأفكار، و تحدي العجز من أجل نشرها و إكمال رحلة البحث في علم الكون و استكمال نظرية الكل شيء، ليعيش ما فوق السنتين، بل عاش سنيناً طويلة تصل إلى الخمسين سنة.

رحلة ستيفن نحو الزمكان:

قبل سنوات عديدة، ابتدأ أينشتاين رحلته نحو الجاذبية، وأثبت خاصية تلك الجاذبية بالزمان والمكان (الزمكان). الزمكان مفردة تشير إلى أن الزمان والمكان يكونان في اندماج عبر نسيج واحد. حيث يجتمع الفضاء ثلاثيّ الأبعاد مع الزمن ذو البعد الواحد.  وقد أظهرت النسبية العامة الصلة بين الفضاء والوقت، وقد فسر أينشتاين ارتباط الزمكان بكثافة المادة والطاقة في معادلاته والتي قام العلماء بالاستفادة منها في اكتشاف ما الذي يمكن حدوثه للزمكان في ظروف غامضة مختلفة كما فعل ستيفن!

عاد ستيفن بأفكاره للبداية، و تصوّر الحالة الأولى للمواد حين كانت في ظروف ضغط جعلت منها مواد مكثفة في نقطة واحدة، التي أُطلِقَ عليها الثقوب السوداء. من هنا بدأ ستيفن رحلته ليكتشف مبدأ هذا الضغط و التكثف ولكن ليس للزمكان في محيط الثقوب السوداء فقط، بل في كل شيء.. أي الكون بأسره. فأخذ يدرس الكون و اتساعه المستمر المعروف، و الذي يعني أن الكون كان بالتأكيد في يوم ما أصغر وأكثر كثافة. وعندما نعود بالزمن للوراء، نجد أن عامل المقياس يجب أن يكون صفراً. أي أن كل المادة وكل الطاقة الموجودة في الكون لا بد أنها كانت ضمن نقطة واحدة بكثافة عالية جداً.. تفرد كوني. من هنا توصّل ستيفن إلى مبدأ الانفجار العظيم للكون. و أصر على أن التفرد الكوني عبارة عن ميزات تنبؤيه متوقَّعَة تسمح بوجود كون يبدأ من التفرد الكوني، فهي نظرية بداية كل شيء.

نظرية اللاشيء:

تمت محاولة إلغاء نظرية ستيفن للتفرد الكوني بفعل نظرية الحالة الثابتة و التي تنص على أن الكون لا بداية له و لا نهاية. بل إن بعض النظريات تتنبأ أنّ الكون لا يمتلك بداية على الإطلاق، وإذا عُدت بالزمن إلى الوراء سيرتد الكون ككرةٍ تقريباً ليعود إلى الحالة السابقة. وتم طرح التساؤلات الكبيرة عن عدم طرح ستيفن لمعادلات ما قبل الانفجار الكوني الذي يؤكده، ليوضح التنبؤات لما قبل النقطة الواحدة التي كانت بداية كل شيء، لينتهي الأمر بــ(اللاشيء). فقد كان ستيفن متمسكاً بآرائه لدرجة نفيه لوجود خالق لهذا الكون.. تعالى الله القائل:

اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (66) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67). الزمر


فهل يمكن الاعتقاد بأن ثمة أمر خلف شراسة ستيفن تجاه نظرية الكل شيء، هل يمكن الاعتقاد بأن ستيفن كان محض أداة لتحقيق أهداف مرجوّة من بعض مؤسسات العلم  والعلماء الذين يقبعون تحت مظلات سرّية. أم أن عجز ستيفن الجسدي جعل منه إنساناً مخلصاً للعقل بشكل هوسي فاق توقعات العالم، فغدا سابحاً خارج حدود ذلك العقل متجهاً نحو حدود الكون مؤمّلاً بأنه سوف يدرك ما وراء تلك الحدود العقلية و الكونية؟ أم أنه لم يلتفت إلى أن العقل ذاته هو محض طاقة محدودة التفكير و الاكتشاف مهما صارع الإنسان حدودها و خواطرها الواسعة؟ ربما تكون الحكاية قد انتهت بموت ستيفن، أو ابتدأت من جديد للإجابة عن الأسئلة الغامضة التي وُلدت بعده.


الخميس، 25 أكتوبر 2018


  موعد خاص


نحاول جاهدين في بداية كل صباح أن نمسك مربط اليوم وأن نسيطر على مزاجيته، تتخلل الأحداث يومنا بشكل لا إراديّ أحياناً لتشكل قوى خارقة تجتر هذا المربط من بين أيدينا، حينها ننخرط في الثرثرات و المجاملات، و في الأعمال اليومية اللازم إنجازها، و في الكثير من المهام المؤجلة التي لا تحتمل ورقةَ تقويم جديدة للغد فتجبرك على الالتزام بها، و دون أن نشعر نجدنا قد قطعنا ما يتجاوز النصف من اليوم إن لم يكن اليوم كله.

كيف لتلك المزاجية المطمئنة في الصباح أن تصمد أمام كل هذا الكم من الشواغل و الثواقل خلال اليوم؟ و كيف لها أن تكون انسيابية بما يكفي لتتسلل إلى أدمغتنا و أرواحنا حتى الصباح الذي يليه؟ لكنها و بلا شك لا تستطيع الصمود أمام ما يعكر صفوها، فهي شديدة التفلّت، سريعة الهرولة، صعبة الاستجلاب وسط بيئةٍ لا ترضيها.

لذا، فنحن مجبورون و في كل مرة نضع عن كاهلنا كل تلك الاتزامات بعد إنهائها، و كل تلك المواعيد و المشاوير المقيِّدة لنا، و بعد كل تكليف اجتماعي وحوار مباغت، أن نستجلب مزاجيتنا الخاصة في موعد ودّي خاص، نشعل فيه هوايتنا في الحديث الهادئ، نقرأ فيه روحنا مجدداً، و نمارس طقوسها في الانتعاش بشتى التفاصيل، كمجالسة كتاب في آخر الرف، أو الإنصات لترنيمة عتيقة، أو الضحك على التفاهات التي تعنينا نحن بالتحديد، و الكثير من الذي يجدر بنا فعله، بعد فعل كل شيء.




السبت، 20 أكتوبر 2018


  الزير سالم


منذ الطفولة وهذه الشخصية تتشبث في ذاكرتي، فقد كنت أتأمل شاشة التلفاز ومشاهد حكاية الزير، وألتفت إلى والدي فأرى ابتسامته الحازمة مع كل مشهد واندماجه الكبير، كنت أتعجب كثير حماسه لهذا المسلسل التاريخيّ، حتى وقعت أنا في ذلك الارتباط بيني وبين حكاية الزير سالم. وجدتني أكرر مشاهدة المسلسل مع والدي دون ملل، أقرأ في قصة الزير والتغلبيين والبكريين. وفي كل مرة أجد شيئاً في نفسي من التأثر والاندفاع مجدداً يقودني نحو التعمق في القصة قراءةً ومشاهدة، واستمر ذلك لعدة سنوات، حتى جاءت اللحظة التي أود كتابة ما استثارني من تلك الحكاية هنا.
الزير سالم شخصية حقيقية من قبيلة بني تغلب بنو وائل في جزيرة العرب، رويت عنه الكثير من الأخبار في البسالة والشجاعة والأخذ بالثأر، حتى كثرت فيها المغالطات والأقاويل فامتزجت الحقائق بالخيال. فالحكاية تدور حول أخوين من بني تغلب الزير سالم و كليب الذي تم قتله على يد ابن عمه من بني بكر، ليتحمل الزير الأخذ بثأر أخيه. بالنسبة لي شكلت مشاهد المسلسل الجزء الأكبر من شخصية الزير سالم رغم بُعدها بعض الشيء عن الحقيقة، لكنها رسمت في داخلي مواقفاً عديدة جعلت من الزير شخصاً لا يتكرر.

الزير الأخ:

بالرغم من أن الزير كان ذو لهو وشرب ومرح، بينما كان أخاه كليباً ملكاً على العرب يرعى شؤون البلاد والجنود، إلا أن الزير كان الأخ الحكيم والمتأني في مواقف عدة، خاصةً حين كان يوجه أخاه كليباً بأن يتأنى مع خصومه من البكريين ويمنعه من الحرب وقطيعة الرحم. علاقة الزير بكليب أشبه ما تكون بالشيء المخفيّ والذي لا يُكشَف جوهره إلا مع مرور أقسى الظروف. كان كليباً يلقي بكلماته الساخرة على الزير قائلاً: "
إنما أنت زير نساء، والله لو قُتلتُ ما أخذت بدمي إلا اللبن”

ولم يعلم كليباً بعد مقتله بأن الزير سوف يغير مجرى حياته بالكامل وأنه سيعزم على قتل رجل أو رجالاً من البكريين بكل قطرة دم سقطت من جسد أخيه، و أنه سيقيم حرباً للثأر تدوم أربعين سنة، فقد قال صبيحة مقتل أخيه:

"هل استيقظت بكر كلها ( أي قبيلة بكر)؟" قالوا له نعم. فقال: "إذاً استيقظ اللذين سيموتون"

الزير والحرب:

إن الحرب كانت الوجه الآخر لعملة هذه الشخصية الغريبة، فهل يعقل أن شخصاً عاش على مجالس اللهو والشرب والضحك زمناً، أن يتحول إلى مقاتل شرس لا يأبى إلا الانتقام من قبيلة بأكملها؟ فقد حرّم على نفسه اللهو منذ اللحظة التي استيقظ فيها وعلم بمقتل أخيه وارتدى زيّ الحرب وأعلن الثأر على أبناء عمومته. وكأنه قد شق عن مخلوق آخر يسكن بداخله، مخلوق حوّل عمى اللهو إلى عمى الحرب، فانطلق يضرب أعناق البكريين أجمعين عن بكرة أبيهم. المقاتل الذي لا يكترث، الشرس الذي لا يلين، الحازم الذي لا يتهاون، على أرض الحرب يكون الزير كالأسد، والخصوم فرائسه.

الزير والوفاء:

للزير صديق وفيّ، كان يرى نفسه فيه، همام البكريّ ابن عمه القريب إلى نفسه، والذي يصحب الزير في حله وترحاله، في مجالس لهوه وفي أوقات حزنه وهمه. همّام كان الشخص الملاصق للزير حتى قام جساس أخو همّام بقتل كليب، فانقلبت الأقدار ودقت طبول الحرب التي لا تعرف قريباً أو صديقاً، واجتمع الزير بهمام على ساحة القتال بين جموع من القبيلتين. يجسد المشهد (مع عدم الأخذ بكامل المصداقية) لقاء الصديقين المؤثر، حين أخذ همّام وهو يمتطي فرسه يلاحق الزير بين صفوف المعركة، ويناديه بأعلى صوته كي يبارزه، بينما كان الزير يحاول الصدّ عنه، ليتجلّى وفاء الزير سالم وعظيم شعوره تجاه الصديق والصداقة بالرغم من الدم والثأر. حتى هتف همام بهذه الجملة:
 "لا تجبرني أن أطعنك من الخلف يا سالم"
 استثارت تلك الجملة غضب الزير فبارز همام وألقاه صريعاً ثم احتضنه متأملاً وجهه النازف وضحكته في ليالي السمر، ومواساته في ساعات السهر، حتى ذرف الدمع على صديقه القتيل وهو قاتلُه.

هذه المواقف التي تصدر من هذه الشخصية تمثل الكثير من القيم المدفونة في هذا الرجل في ذلك الزمن القديم، وكيف أن لكل قيمة جذورها التي لا تنفك عنها برغم من تضارب الظروف والأحداث. كما أن هذه الشخصيات الممتزجة في شخص واحد كالزير ليست بعيدة عن الألقاب التي لُقّبَ بها، فقد لقب بزير النساء أي جليسهن. كما لقب بالمهلهل لأنه كان يلبس ثيابًا مهلهلة. كما يقال بأنه قد لقب مهلهلاً لأنه هلل الشعر: أي أرقَّه، وكنّي بأبي ليلي وذلك لرؤيا رآها في صغره؛ فرأى نفسه ينجب فتاة اسمها ليلى يكون لها شأن عظيم. تجدون حكايته كاملة بشكل مختصر {هنـا}.


الجمعة، 12 أكتوبر 2018


  ما خلف الوجوه



في الآونة الأخيرة بدوت وبشكل تلقائي مدركة لما خلف الوجوه، وأعني بما خلف الوجوه كل تلك التفاصيل التي لا نعرفها عن الأشخاص الذين قد نحتك بهم من حولنا وتجمعنا بهم الأيام أو الأعمال أو المواقف أو الصدف، لكل منهم تفاصيل لم نطلع عليها يوماً وربما لن نطلع عليها أبداً، بدوت أقضي حديثي مع الأشخاص بتقبل وحيادية مريحة معتبرةً بأن وجهات نظرهم وطريقتهم في الحديث ومخاوفهم من بعض الأشياء وحدتهم وعنفهم أحياناً تنم عن تفاصيل وتجارب قد تخفى عليّ.

أدركت بأنني لست مكلفة باتهامهم لمجرد عدم علمي بتبريراتهم لبعض التصرفات أو لشخصياتهم ككل، وفي ذات الوقت، هم ليسوا مجبورين على أن يطلعونا على كل ما جرى لهم لكي يصبحوا بهذه العقلية أو التفكير أو السلوك أو الأفعال!

بدوت متحفظة عن طرح الأسئلة الغير لازمة لي، التي قد تكون القشة التي تقصم ظهر الآخرين بعد كومة من التجارب القاسية، بدوت أكثر مرونة مع ما أتلقاه من الأشخاص باختلاف ثقافاتهم ونهجهم تاركة لهم أحقية التواصل.. ومحتفظةً لي بأحقية عدم التنازل.. عن ثقافتي ونهجي.

 إن الأشخاص الذين يحيطون بنا بشكل قريب قد يختلفون عنا بمدى بعيد، قد تفصلنا عنهم أمراض مزمنة لم يبوحوا بها، أو تجارب قاسية لم يفصحوا عنها، أو مشاعر مرتبكة لم يتخلصوا منها، وجوههم لا تعنيهم بالتحديد، فثمة أشياء تختبئ خلف تلك الوجوه، لسنا مخولين بكشفها، بل بمراعاتها وتقبلها حين تظهر على هيئة تصرف أو سلوك أو حتى شعور.



الجمعة، 28 سبتمبر 2018

  نشوة العلاقات


ما هي العلاقات؟ هل هي العلاقات التي اخترنا عقدها، أم تلك التي اختارتنا، كيف لها أن تكون ناجحة و مفعمة بالحياة، و كيف لها أن تكون هائمة على وجهها و مشوبة بالموت، كيف لتلك العلاقات أن تحيا بنا، لا أن نحيا بها؟ إن التساؤلات حول تلك الأفكار ستوردنا لتساؤلات أكثر .. سوف تفضي بنا إلى دراسة أنفسنا ولومها أحياناً و التحقيق معها فيما يجب علينا فعله و ما لا يجب ضمن تلك العلاقات، سوف تكون كالدرس الصارم الذي نتلقاه و نبدأ بحساب درجات تفوقنا فيه في كل موقف و حوار و اعتراف مع الطرف الآخر في علاقة ما.. فقط في سبيل أن تكون جيدة، أن تكون كما يجب، أن تكون تلك العلاقة قائمة و مستمرة، و إن قامات و اتكأت على رتابة الشعور، و رتابة الأيام، و رتابة الحياة، و موت النشوة.
العلاقات لم تكن دائماً مشروعاً يتم التخطيط له، أو استثماراً ينبغي أن لا يخسر، العلاقات أكبر بكثير، العلاقات سرٌ مثير.. قد يبتدئ بالكره و التعجب و الصمت، و ينتهي بنا إلى الألفة و المودة و الارتباط. يمكننا أن نرى ذلك جلياً في صداقات طفولتنا العتيقة، و التي قد تكون بداية بعضها شعلة من الغيرة، أو تشابهاً في مشاعر الصمت و الخوف من الحديث، أو المراقبة البعيدة و النظرات المريبة، لنبدأ بهذه المشاعر أقوى صداقات الدهر، و أحكمها تشبثاُ بالوفاء و الحب و الإخلاص و الدعم الذي يكبر معنا طيلة السنوات.
كذلك هي العلاقات الأخرى بعد النضج، قد تكون مؤشراتها الوليدة عكس نهاياتها الفريدة، قد تبتدئ بعلامة استفهام كبيرة و تنتهي بكتاب مفتوح، قد تبتدئ بصمت مطرق، و تنتهي بفضفضة صادقة، قد تبتدئ بمنفى قاسٍ و تنتهي بملجأ دائم، نجاح العلاقات يكون حين تشعر بأنك تحيا بشكل حقيقيّ كل يوم تحت سقف ذلك الارتباط، حين تشعر بأن الارتباط بشخص ما لا يقتصر على قياس مدى ملائمته لك، بل على مدى ملائمتك له، حين تكون العلاقة أكبر من المواساة أثناء الحزن و أكبر من الصمت أثناء الغضب، بل حين تشعر بأن الطرف الآخر يستحق أن تجعله يضحك كثيراً حين يبدو سعيداً، و يشعر هو كذلك بأنك بحاجة إلى أن تبكي بصدق حين تكون حزيناً، لا مكان للمراوغة بينكما في كثير من الأوقات، لا مكان للصمت الطويل ، للاستفهامات المخيفة، للرتابة القاتلة، لا مكان للمثالية المرصّعة، أو لأنانية أحدكما على الآخر، ، إن نشوة العلاقات تتحقق بانتفاء الأنانية، و المشاعر المنسيّة، و الأحزان المتكدسة، و الأحاديث المتراكمة، نشوة العلاقات تختبئ بالتحديد خلف معاني الائتلاف و التناغم و الرغبة في الدعم المتواصل و هدم التباعد و الفواصل.


الخميس، 13 سبتمبر 2018


  شعور البدايات



أتأمل دائماً في شعور البدايات، النظرة الأولى، النبرة الأولى، الكلمة الأولى، المحاولة الأولى، الضحكة الأولى، الجنون الأول، الاعتراف الأول، الرسالة الأولى، المجازفة الأولى، الارتياح الأول، البكاء الأول، الغضب الأول، الصرخة الأولى، الاختفاء الأول.. و الكثير من البدايات التي حاولت الربط بينها، ما الذي يجعل وقعها أقوى، و ذكراها أعمق، و إن تكررت مرات و مرات.. يظل ذلك الإحساس الأول هو الأجدر بالقلب و الذكرى..
هل السبب في ذلك أن تلك المشاعر قد حدثت في البداية لكل حكاية، أم لأن ذلك الشعور الأول لم يكن يحمل أي تصور عن تلك التجربة أو الشخص.. أم لأن المرات الأولى تحمل في طياتها الغموض الممزوج بالبراءة.. أم لأن المشاعر الأولى كالطفل الخجول و ما يجري بعدها هو كالطفل الذي قد كبر عشر سنين!
لا أعلم بالتحديد.. و لكن الذي أعلمه هو أن شعور البدايات جميل جداً و مثير للحكايات و الكتابات و الخاطرات، فشعور البدايات يوازي في جماله جمال الاتزان و الانتصارات لكل تلك التجارب.. حين نحافظ على سيرها باتجاه صحيح.. حين لا تفقد رونقها و حلاوة مشاعرها عبر السنين.. حين لا تقتصر على البدايات.. بل تقدم أصدق الوعود إلى ما بعد النهايات.



الخميس، 6 سبتمبر 2018


   يوم طويل



يوم طويل، ابتدأ بحديث طويل مع مشرفتي في مكتبها المتواضع، حين قالت لي أنا قلقة بشأنك.. يجب عليك إنهاء المهام بأسرع وقت خلال هذا الفصل.. ابتسمت ضاحكة لا إرادياً وقلت: كل شيء سوف يكون على ما يُرام. لم يكن ردي بروداً أو تبلداً، بل كان إيماناً كبيراً بقدر جهلي لما سوف يحدث، كان ثباتاً بقدر التيه، كان سعادة بقدر التحدي.

فحين يقول لك شخص ما أنا لا أثق بأنك تستطيع.. تجد في نفسك الاستطاعة أكثر مما سبق. هنا ينبع السؤال، هل نحن بحاجة إلى عدم الثقة لنثبت جدارتنا، أم هل نحن بحاجة إلى العنف لنثبت إنسانيتنا، أم هل نحن بحاجة إلى العنصرية لنثبت توحدنا، أظن بأننا محتاجون إلى التحديات.. لنثبت قوتنا.. لنثبت مدى تحملنا وصبرنا.

حينها و بعد أن غادرت المكتب، فضلت الانتظار في صف طويل في سبيل كوب قهوة، و قراءة رواية أثناء الوقوف في الطابور، و فضلت الهدوء و الجلوس تحت مظلة خشبية تحت سماء النهار الحارة على الجلوس في داخل المقهى المكيف و المزدحم بالأحاديث و الضجيج، و فضلت التدوين من مقر العمل على التدوين من المنزل و الأريكة المريحة، أدركت حينها أن التحديات لها طعم لذيذ يوازي مرارتها.