الأحد، 16 يونيو 2019


في أن تكبر عاماً



أن تكبر عاماً آخر، فذلك لا يعني حفلة ميلاد، بل ميلاد احتفال، أي ولادة احتفال جديد بك تحديداً، ميلاد شعور جديد بالاستحقاق، وبأنك قد وصلت إلى مرحلة أفضل من سابقتها على أي صعيد من أصعدة الحياة، كالصعيد الاجتماعي، أو التطوير الذاتي، أو العلمي والمهاري، وغيرها. فتاريخ الميلاد ليس نقطة احتفالٍ بذكرى الميلاد الأولى قبل كل تلك السنوات، بل محطة احتفاء بالميلاد الذي وصلت نفسك إليه اليوم. يهمني جداً تاريخ ميلادي، كونني أعتبره نقطة انطلاقة السباق وحتى الميلاد الآخر الذي يكون شريط النهاية، والذي أتحدى نفسي قبل الوصول إليه بأن أحقق أكبر قدر يمكنني تحقيقه من الإنجازات. بالمناسبة، كلمة إنجازات تحتمل مقاييس عديدة، فهي ليست مشروطة على الشهادات والأوسمة، بل على مقاييس الشخص ذاته بحسب ظروفه ومبتغاه وأمنياته، كخروجه من دوامة البحث عن الذات، أو كتخلصه من تجربة اجتماعية مؤذية، أو كتحقيقه لرضاه عن نفسه بسعادة، أو إنهائه لقراءة كتب طال تأجيلها، أو تحقيقه لخطوته الأولى نحو مشروع لم يكتمل بعد، أو التزامه بتدليل نفسه والعناية بها أكثر من السابق، أو تغيير نمط صحته ومأكله. فحين ننظر لتلك الأمور على أنها إنجازات نستحق أن نولد من خلالها مجدداً مهما صغرت في نظر الآخرين سوف نكون ذوي قدرة أكبر لتحقيق ما هو أكبر منها مستقبلاً وبالتالي سنحقق ولادتنا ونضجنا الأكبر في كل عام. أخيراً، في محطة اليوم يمكنني القول لي كل عام وأنا أشعر بقيمة ما أملك بشكل أكبر، فشعورك بقيمة ما لديك أساس إيمانك باستحقاقك للجمال والسعادة ومصاحبة الأناس الطيبين والبعد عن اليأس أو الشتات، إيمانك بأنك تقف أكثر مما تتعثر، وبأنك تجد مبرراً جميلاً أو جيداً على الأقل لكل ما يحدث حولك، وإن لم تجد فأنت تصدق بخيريته بفضل الله ومعيته، كل عام والنفس كالطير، دائماً تتطلع للسماء، كي تكون بخير.



الثلاثاء، 11 يونيو 2019


 مواليد التسعينات | بين القناعات والتحديات


هذه التدوينة لا تعني تسليط الضوء على مثالية هذا الجيل بل بعض من جوانبه.

مواليد التسعينات وتحديداً مَن وُلِدوا في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات أو السنوات الخمس الأولى منها هم من أعنيهم هنا خاصة أنني إحدى مواليد هذه الحقبة الحساسة الذين نشأوا  على تفاصيل حياتية متواضعة ربما لا تكون مختلفة عن الأجيال المقاربة أعني أننا قد نجد تلك التفاصيل الحياتية في الثمانينات كذلك لكن تلك التفاصيل اقترنت وانعجنت بنفوس أبناء مواليد التسعينات اعتماداً على مرحلتهم العمرية التي كانت متأهبة للتلقي، لتحيلهم إلى شباب اليوم، والذين امتدت مرحلتهم العمرية منذ تلك الحقبة بطولها وبتفاصيلها وبمنعطفاتها إلى اليوم، حيث لم يزالوا في طور الشباب والشخصية الباحثة والمستكشفة والمتحمّسة والساعية لبناء المستقبل. مواليد أوائل التسعينات هم من عاصروا أجيالاً في جيل، وهم من يمتلكون أكثر من دليل.. نحو الحياة وإيجاد النفس وموضعها الملائم في هذا العالم، لتجعل منهم أشخاصاً عالقين في الوقت الحالي بين القناعات والتحديات وبين الحذر والتردد والترقب والحماسة والانطلاق والتحليق.

إن مواليد هذه الحقبة قد نشأوا في زمن يمتاز ببطء الأيام وتركّدها كبطء مراوح الدور المعلّقة في الأسقف على الدرجة الأولى، فكان استيعابهم للأيام والأحداث متريّثاً بغض النظر عن ماهية تلك الأحداث وإيجابياتها أو سلبياتها. كما أنهم عاصروا التقارب الاجتماعي المتحفظ في ذات الوقت، بين العيش في كنف الأسرة والاهتمام بأولوياتها وتقارب الجيران وأبناء الأحياء ومن يسكنون بالجوار، مع وجود الحواجز الاجتماعية ومعايير التحفظ وعدم الانفتاح الكلي على الآخرين، والذي جعل منهم أشخاصاً يكنون الكثير من الاحترام للأسرة والمعارف بل وحتى المجهولين ويضعون تلك المعايير التحفظية في الحسبان دائماً. كما أنهم ولدوا في زمن بسيط، ومعايير حياتية شبه منضبطة، لا توفر لهم كل شيء في كل وقت، كما أنها لا تحرمهم من كل شيء. فعاشوا بين العطاء المعقول والمنع المسؤول الذي جعل منهم أشخاصاً متزنين، لا يحصلون على ما يرغبون في الوقت الذي يريدونه تحديداً، لكنهم يؤمنون باستحقاقه، فيفضلون الانتظار على الاستسلام، ويفضلون الصبر على الانهزام. كما أن تلك الممنوعات والقيود الحياتية جعلت منهم أشخاصاً يبحثون عما وراء تلك القيود، ويتطلعون للدهشة بشكل مستمر، خاصة في طفولتهم، كانتظار وقت طويل في سبيل فتح قناة مفضلة صباحاً عند شاشة التلفاز، أو ترقب صدور العدد الشهري الجديد من مجلة مفضلة، كما جعلت منهم تلك القيود أطفالاً أكثر صبراً وتقبلاً، كالصبر على اختيارات الأهل لما يرتدونه وتحديدهم لتصفيفة الشعر المناسبة! ولم تكن جرأتهم لتظهر في تلك المواقف بقدر ظهورها في سيل العواطف. فهم يمتهنون شراء الكثير من الدفاتر والأوراق لكتابة المشاعر وتبادلها فيما يسمى ب (التليجرافات) مع كل من يصادفون في مرحلة تعليمية أو مصادفة ودّية، خاصة بفضل المكتسبات والقيم الإعلامية التي وطنت في نفوسهم الوفاء والإخلاص ومعالم الشر والخير، فالكلمات تعني لهم الكثير، والذكريات بالنسبة لهم مدخر وكنز وفير.

اليوم، يعيش شباب أوائل التسعينات مرحلة مختلفة، تضعهم في مفترق طرق و وتضع في أيديهم أدلة متعددة نحو إثبات النفس والشغف واستثمار الموهبة وتشكلها في نظرهم بطريقة كانت غائبة عنهم، بل كانوا يحاولون إيجادها ورسمها ثم العيش من خلالها، ولم يتصوّروا أنها تمتلك هذه الهوية وهذا الاسم في مختلف المنصات التي يتصفحونها اليوم، فيشعرون بالكثير من التردد كونهم يقفون بين معاييرهم وقناعاتهم الخاصة التي نشأوا عليها، وبين شبابهم المنتظِر لتحقيق رغباتهم المؤجلة أو المتقدمة ببطء على جسر القيود والتحفظ والشعور بالاستحقاق أو الحذر من الفشل والانسحاق ومقارنة المتاحات  بالمبادئ الراسخات والترقب والتأكد من صحة وسلامة كل طريق ينوون سلوكه بمستوى عالٍ. إنهم لا يبحثون عن المثالية، بقدر بحثهم عن الأمان والنجاح والمكافأة نتيجة الصبر ورحلة البحث الشاقة عن النفس. كما أنهم اليوم يعاصرون الكثير من المناقضات لما نشأوا عليه، فالأيام متسارعة والأحداث متقلبة، لدرجة عدم إمهالها لهم لمراجعة المعاني التي تشربوها، ولا تلك التحديات التي عاصروها، فأقدامهم لم تزل تقف في القرن العشرين، وأرواحهم تود التحليق نحو ما هو أبعد من الوقت الراهن.

بإمكاننا أن نتفق بأن مواليد تلك الحقبة لا يلامون في حساسية شعورهم وتوقعهم الاحترام من كل أحد وحساسيتهم تجاه المشاعر والذكريات والوحدة، كما لا يلامون على تحفظهم وعدم انفتاحهم على الآخرين وعلى خوض التجارب بسهولة و عدم تقبلهم للتقليد الأعمى، كما أنهم لا يلامون على حماستهم وانخراطهم في ممارسة كل ما كانوا يودون ممارسته في رحلة التيه والتشتت والبحث والتردد، وكأنهم وجدوا أنفسهم أخيراً وتعرفوا عليها بشكل دقيق بعد أن كانت محتجبة عنهم بسبب أو بآخر.


الخميس، 6 يونيو 2019


  عيدكم أنتم 


عيدكم مبارك أحبتي برضا الله عنكم وبإرضائه لكم، وكل عام وأنتم أسعد من سابقه. أحببت في هذا العيد أن أصنع شيئاً مختلفاً يمكنه أن يضاعف السعادة في نفوس أحبتي. قمت بإعداد عيديات مادية ومعنوية في نفس الوقت، فقمت بكتابة رسائل سعيدة بجانب الحلوى والمكسرات والتي لاقت قبولاً ومشاعر لطيفة من قبل أقاربي وأحبتي، فكل منهم شعر بأن الرسالة تلامس شيئاً في نفسه أو أن الكلام موجه له خصيصاً بشأن وضعه الراهن. أنصحكم بتجربتها أو صنع تجارب أفضل يمكنها أن تجعلكم سعداء قبل إسعاد الآخرين، فالعيد سعادتكم وشعوركم بها من صميم القلب، العيد أنتم.

 



الأحد، 2 يونيو 2019


  الروتين المتجدد


أكتب الآن في صبيحة اليوم الثامن والعشرين من شهر رمضان وشعور الحزن يخالجني لقرب انتهاء هذا الشهر. ممتنة لله على كل الأيام الماضية منذ بداية الشهر، فقد كانت أياماً عامرة بالهدوء الروحي والصفاء الداخلي بالرغم من ازدحام الجدول اليومي بطبيعته في هذا الشهر بين إعداد الإفطار والصلوات والزيارات العائلية والالتزامات الحياتية الأخرى. فقد حرصت في هذا الشهر على ساعات الفجر الأولى لأخذ وقت مستقطع مع العزلة في حضرة الإشراق، أو قراءة كتاب، أو غيرها من الأمور المحببة لدي، والذي كان له أثر كبير في تغلغل السلام والهدوء في داخلي، فساعات الصبح في رمضان ليست بأقل أهمية من ساعات لياليه العامرة بالروحانية وصلوات القيام.

في كل مرة يحل فيها شهر رمضان، وأعتقد بأنني سأقضي شهراً روتينيّاً، أجدني أعيشه بشكل مختلف تماماً عن سابقه في السنة الماضية، فيكون كالمعجزة التي تجدد فينا شعوراً ملائماً لوضعنا الحياتي الذي نعيشه في تلك السنة. فكل رمضان يجيء باطمئنان، وبسلام، وبمشاعر تلائم وضعنا في تلك السنة، كمواجهتنا لمرحلة جديدة في حياتنا، أو تحديات، أو مسارات عصيبة، أو حتى انتظار أشياء سعيدة لتحدث. لا أعرف كيف يمكن لذلك الشهر الروتيني أن يتجدد بشكل عظيم، يغمرنا في كل سنة بكل ما تتأمّله الروح التي تعاصر أحداثاُ مختلفة من بين كل تلك السنوات.

ممتنة لله على هذه المحطة الروحية التي لولاها لكانت السنة عبارة عن ركض مستمر وزحام روحي متكدس حتى النهايات، دون وضع نقطة للتوقف، لتأمل كوامن النفس، ولدراسة أخطائها وعثراتها برفقة الآيات والرسائل الربانية، وللتخطيط للبدايات، ومزيد من الأمنيات.

أحببت أن أشارككم تلاوة مسجد الحي الذي أحب الصلاة فيه بشكل يومي "هنـــا"، وبعضاً من اللقطات اللطيفة (اضغط على الصورة لمشاهدة حجمها الطبيعي).







الأربعاء، 29 مايو 2019


  اللهم



اللهم أعني ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي واهدني ويسر الهدى لي, وانصرني على من بغى علي, اللهم اجعلني لك شاكراً, لك ذاكراً, لك راهباً, لك مطواعاً, لك مخبتاً, إليك أواهاً منيباً, رب تقبل توبتي , واغسل حوبتي , وأجب دعوتي, وثبت حجتي, واهد قلبي, وسدد لساني, واسلل سخيمة صدري.

اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي واهدني لأحسن الأقوال والأعمال والأدواء والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت.


الثلاثاء، 21 مايو 2019


  رحلتي برفقة أبو غزالة


شاهدت حلقتيّ طلال أبو غزالة عبر برنامج من الصفر، فكانت تلك الحلقتين كفيلم درامي لم أستوعبه من اللحظة الأولى، وحكاية كفاح أجبرتني أن أعيد المقاطع للتركيز في الجمل التي يسردها طلال بأريحية لكنها تحمل دروساً ثقيلة لجيل قادم.

طلال أبو غزالة، الطفل الفلسطيني، الذي غادر يافا ليس مهاجراً بل فارّا، دون أن يحمل معه أيّ شيء سوى حب يافا في قلبه وتساؤلات الحياة المجهولة في عقله. لتبدأ حكايته من الصفر حرفيّاً ومعنويّاً ومادّيًّا. لن أحكي حكاية أبو غزالة هنا، بل سأحكي حكايتي معها. فلطالما نظرت للمهاجرين أو النازحين إجباراً من فلسطين بنظرة الضعف والانكسار، لم أكن أدرك أن الكثير منهم كطلال، باستطاعتهم أن يخلقوا من فتات الضعف، قمم الجبال. نحن المرفهون لا ندرك معنى أن تستيقظ تحت سقف منزلك صباحاً ثم تبيت فجأة في قارب نحو اللاشيء في المساء! وكيف يمكنك أن تلملم شظايا إيمانك وعزمك الذي اصطدم بنكبة كبرى لم تمهلك لاستيعابها، إلا بعد أن تركت كل شيء خلفك. في هذه اللحظة، يمكنني القول بأنها لحظة العجز، فنحن نستسلم للنكبات بمجرد إحاطتها بنا، فكيف بإبادتها لنا وسحقنا على أرصفة الهزيمة. وبما أن الاستسلام للمعاناة والهزيمة لم تكن قاعدة ثابتة، تصرف أبو غزالة معها بمعنى مختلف تماما، فلم يكن يراها معاناة من الأصل، بل كان يراها شيئاً لم يخطر ببالي، كان يراها "نعمة"!



النعمة في نظر أبو غزالة تلك المعاناة التي تجبرك على الغرق حتى تتعلم الدفع بكل قوتك إلى السطح، تلك المعاناة التي تجعلك تمشي تحت المطر شتاءًا في وسط الجليد والأمطار سفراً إلى المدرسة، لتجلس على مقعدك في الصف مبلّلاً، فتتفوق على مستوى المدينة، لتك المعاناة التي تجعلك تجتاز معايير المناصب والدراسات العليا بجدارة بفضل عملك في الدكاكين والحسابات على الأوراق والترجمة بصحبة القواميس. تلك هي المعاناة التي غمرت أبو غزالة بالنعم!

إن تلك الحلقتين أتت في توقيت مبهر بالنسبة لي، فحين تبدأ بخوض رحلة جديدة في حياتك، تكون بحاجة إلى أشخاص ملهمين حملوا في قلبهم رسالة وفي ذهنهم دلالة، قبل سلوكهم تلك الرحلة ، وذلك لأن الرسالة والعزم على ترك الراحة إنما هما مقودك الذي لن يتوقف طيلة رحلتك إلى ذاتك وإلى نجاحاتك مهما بلغت. سعيدة جداً بذلك الإلهام الذي غمرني بفضل طلال أبو غزالة أثناء رحلتي مع ذاتي والذي أتمنى أن يغمركم. أترككم مع الحلقتين وبعض مقولاته التي قيّدتها أثناء مشاهدتها.

·         الأمانة أحسن طريق للرزق.
·         أصريت أن أدرس لكي أتفوق، لكن على عدوّي.
·         هناك ما هو أقوى من التأكد والثقة، إنه الاضطرار.
·         أرى أن معاناتي نعمة، والتي اضطرتني أن أكون الأوّل تفوّقًا على مستوى لبنان للحصول على منحة الجامعة.
·         كانت السعادة تغمر أهلي، ليس لأنهم يأكلون ما أوفره لهم، بل لأنني أحرم نفسي لأطعمهم.
·         سلاح المحبة أقوى من كل الأسلحة الفتاكة!
·         أن تكون محبوباً أهم من أن تكون عظيماً.
·         التعب هو الطريق إلى الراحة، فمن يتعب في نهاره، يرتاح في ليله.
·         الراحة التامة مضرة بالصحة.
·         النجاح لا يأتي بتقليدك للآخرين الناجحين، من يقلد الآخرين في نجاحهم يكن متأخرًا في نجاحه كونه يلحق من سبقه. يجب أن تفكر كيف تتفوق على من سبقك من الناجحين في مشروعك الجديد.
·         إذا أردت تحقيق شيء عظيم في الحياة، فلابد أن يكون لديك رسالة.
·         أن تتبنى رسالة في حياتك، فهذا يعني أنك دائمًا في عملية تفوق مستمر، فالرسالة لا تنتهي.
·         الصعود نحو النجاح صعب، لكن المحافظة على النجاح أصعب.


السبت، 18 مايو 2019


  ماني والمانوية


رواية تضرب جذورها في عقد الخمسينات، ما بين بلاد مابين النهرين عبوراً بالهند وثم بلاد فارس، تحكي حكاية الرجل البابليّ "ماني" الذي كان يهيم في الأرض سعياً لنشر عقيدة المانوية الداعية لمساواة جميع الأديان وتوحيد سائر الخلائق، بينما تعج الشعوب من حول ماني بالصراعات العرقية والقتال من أجل العروش والحروب الطاحنة بين الساسانيين وروما. فعاصر المؤيدين والمعارضين والأعداء والأولياء واستقر في بلاط الملوك وجدران السجون. بالنسبة لي، كانت الرواية غزيرة المفردات الأدبية الجديدة، ذات سرد مترامي الأطراف، يأخذك لتفاصيل مفعمة بالشعور والصورة، سريع التنقل وبشكل انسيابي في الأحداث حيث تعيش قصة ماني من قبل ولادته حتى بات شيخاً وكهلا في صفحات لا تتعدى الثلاثمئة صفحة، فأجدها بلاغة مبهرة، وأسلوب فني رائع.

حكاية ماني لم تلهمني كثيراً، لكنها أضافت لي الكثير من جانب الثقافة الجغرافية والتاريخية، إلى جانب إيصال رسالة الإيمان بالمبدأ والإصرار على تثبيت ركائزه مهما كان سوء المحيط الذي يغشانا. تمتاز الرواية بالتشويق والركود المتوازيين بطريقة جميلة، والحوارات التي تخلق في ذهنك ألف سؤال، كما تلهمك بقراءة المزيد عن أصول المدن ومواقعها ومسمياتها منذ تلك الحقبة وحتى اليوم. أنتقد فيها التعدي على الذات الإلهية واستباق الأحداث باتخاذ أسلوب الإخبار بما سوف يحدث مما أدى إلى إضعاف جانب التشويق، وإبراز شخصيات ثم إهمالها بشكل كلي، كما كانت الحكاية مبهمة المعالم حتى قرابة منتصف الرواية.

لقد خط قلمي الكثير من الجمل الملهمة في صفحات تلك الرواية، وهنا شيء يسير من زخم الاقتباسات:

·         بفقدان بعض الحَيَوات سوف تُنقَذ أخرى أكثر عددًا بكثير منها.
·         وسوف تجد نفسك وأنت تقتل من تحب، من غير أن تكون قد تمنيت قط ذلك، ثم تبكيني بدموع مُخلِصة.
·         لقد انتظرنا طويلاً جدًّا من أجل قليل جدًّا من الأمر.
·         هذا السكون! ما من شيء يقلقني مثل هذا السكون. إنه سكون ظلام وغضب لا حدّ له.
·         لا تنخدع، لا يكن لك هم سوى رسالتك في كلّ يوم.