الأحد، 20 يناير 2019


  أقصوصة: تردد


لم تكن تعي بأنها تحمل الكثير من الكلمات حتى غادرت المقعد بعد منتصف النهار وعادت إلى المنزل بسيل من الأفكار. حينها أدركت بأنها تود قول شيء.. بل كل شيء. لم يعد الوقت مناسباً الآن.. فبعض المحادثات مع بعض الأشخاص تكون مقيدة ضمن فترة المعرفة والهدف من التعارف وغيرها من الالتزامات التي تحتم على المرء الانصياع وراء بعض السلوكيات المشروطة. انها تعي بأنها يجب أن تقول ما بداخلها من ثرثرة، لكنها سوف تندم حتماً كونها تنتهك اللائحة الشرطية. فضلت أن تلزم الصمت ريثما يحين الوقت المناسب. بالمناسبة، الأوقات المناسبة لا تأتي، هي فقط تحين حينما نقرر نحن أن تكون أوقاتاً مناسبة حتى وإن كانت اعترافاً بشعور بعد فراق، أو إنقاذاً للحياة في آخر لحظة، أو غيرها من الحماقات التي نلقيها على عاتق الأوقات المناسبة. لكنها بالرغم من ذلك ظلت تنتظر اليوم التالي. لم يأت بعد ذلك الصباح، فالليل يبدو طويلاً وطويلاً جداً حين تترقب نهايته. وبعد ساعات، ومع إشراق فجر اليوم التالي، بدت الحياة سريعة في نظرها، ارتدت ثيابها والتقطت هاتفها وحقيبتها ومضت بخطى عجولة وذهن متردد. ها هي تثمل أمام ردفة الباب الخشبية، والتي تتحرك ببطء مصدرة صرير مقلق بفعل الريح الباردة في صباح هذا اليوم. دخلت إلى المكان ذاته واتجهت نحو المقعد ذاته متوهجة الملامح، استندت بهدوء، وما أن لبثت حتى ارتأى أمامها النادل وهو يسير نحوها بخطى واثقة حاملاً في كفه ورقة بيضاء. تمتمت في نفسها، لابد أنه يود سؤالي عن قهوتي المعتادة، التي يجدر به عدم سؤالي عنها، فقد اعتدت احتساء ذات القهوة في كل مرة آتي فيها إلى هنا. حين اقترب النادل أصدر تحية محترمة ومد إليها الورقة البيضاء، وقال هي رسالة تركها شخص لك خصيصاً. تعجبت من تلك الورقة المطوية، فماذا عسى أن تكون؟ قلبتها بتأمّل ثم فتحتها بهدوء وبدأت بقراءتها وقد بدت ابتسامتها بالذبول تدريجياً بشكل لا إراديّ، وكأن تلك الورقة سلبت منها إحساسها بنفسها وبمن حولها، لم يقطع ذلك التبلد سوى ابتلاع ريقها بقلق، وانفراط دمعة ساخنة قبل أن تغلق جفنيها. أدركت بألم أن الوقت المناسب لن يأتي، فالوقت المناسب أحياناً يكون قد مضى بتمرّد بفعل الكثير من التردد.




   #أقصوصة


لطالما أحببت الحكايات، فمنذ الصغر وأنا أميل إلى الاعتكاف على الأوراق وسرد القصص بشكل رسومي أو كتابي. وظللت أهوى قراءة الروايات والحكايات إلى اليوم خاصةً تلك التي تميل إلى تجسيد الشعور ونقله إلى القارئ بصدق وحرارة وكأنه يعيش وسط الموقف المعنيّ. من هذا المنطلق، أحببت كتابة القصص هنا في مدونتي كونني أتطلع إلى المزيد من إتقان سردها وقوة طرحها وحبكتها. قررت تخصيص تسمية جديدة ضمن تصنيفات مدونتي العزيزة أسميتها " أقصوصة" لتضاف إلى رفيقاتها "شباكي" "في الساحة" "مرفأ" "بين دفتين". سيضم قسم "أقصوصة" حكايات من وحي خيالي الخاص و التي تنبع من الإلهام والقراءة والاطلاع على مختلف الحكايات والمواقف والمشاعر. سوف أسرد مختلف الأقاصيص التي من شأنها أن تقوي إحساسي القصصي، فأنا أجد في الكتابة ممارسة تعليمية لما أود إتقانه. تمنياتي لكم بقراءة ممتعة =)



الأربعاء، 26 ديسمبر 2018


  ذوبان الشعور


قد نظن يوماً أن الأشخاص القريبون منا كما لو كانوا حقيقةً محضة لا يمكن أن تتبدل طوال الدهر، لكننا نبدأ باستشعار تآكل ذلك الشعور شيئاً فشيئاً أمام حقيقة تغيرهم البطيئة وابتعادهم المبرر والغير مبرر. ندرك حينها أن الشعور تجاههم بدا قابلاً للذوبان، بدا مؤهلاً لأن يكون سائلاً أو بخاراً مع مرور الأيام. لا فائدة من طرح الكثير من التساؤلات في هذا المقام، لمَ و لماذا و لمَ لا..! فحين يحدث التغير و الجفاء.. لا يفيد الاستجداء. لا تستجدي شعوراً صادقاً أو وفاءاً فائتاً. فالاستجداء لا يُجدي..لأنه سوف يفضي بك إلى قرب مزيف و إلى مشاعر متهالكة تبدو كالجليد المهشم بعد أن كان سائلاً ذائباً. بالمناسبة، لا يمكن للشعور الصادق أن يكون متهالكاً.. الشعور الصادق إما أن يكون أو لا يكون البتة، إما أن يكون ثابتاً صريحاً قوياً، أو لا يكون. لأنه حين يكون بصورته الهشة الواهنة ( الاقتراب تارة و الجفاء تارة أخرى بشكل تعسفي) فلن يكون شعوراً صادقاً، بل سوف يشوه ذلك الشعور العشوائي معنى الصدق الخالص. سوف ندرك بابتعادهم الغريب و اقترابهم المريب معنى الحياة، فالحياة ذات تقلبات في كل ليلة و نهار.. كما الشعور القابل للصمود و الانهيار.. و الرفض و الاختيار!



الأحد، 23 ديسمبر 2018


   الجنون والعظمة



بعد أن أنهيت كتاب الجنون والعظمة شعرت بأنني ملزمة بالكتابة عنه وبنقل شعوري الحاضر والمتوهج بأسرع وقت ممكن. الكتاب يحمل في طياته تفاصيل ثمينة قد تكون باباً مشرّعاً لمن أوصدت في وجوههم الحياة، وقد يكون طوق النجاة، وهذا ما دعاني للكتابة عنه، فضلاً عن الفائدة التوعوية التي التمستها بنفسي. استهل الكتاب بذكر تفاصيل الشفرة البشرية و النواقل العصبية في جسم الإنسان، لكي يمهد للقارئ ماهيّة الجهاز العصبي الذي يقطن داخلنا و يشكل مشاعرنا وتصوراتنا تجاه الأمور و الحياة اليومية. وكان استهلالاً موفق للغاية للبدء بسرد الأمراض النفسية مرضاً تلو الآخر و كيف لها أن تتسلل لهذا الجهاز الدقيق. 

يقدم الكتاب مجلد مختصر و عميق في نفس الوقت للأمراض النفسية الأكثر شيوعاً في العصر الحالي. كنت أقرأ عن كل مرض بتمعن شديد جعلني أدرك أن تعقيد المرض ليس سيئاً بقدر سوء عدم فهم المرض ذاته أو تجاهل المبادرة بعلاجه و الخجل من الإفصاح عن أعراضه، والاستمرار في التوهم بأنه مجرد وهم، مما يؤدي إلى تفاقم ذلك المرض! كنعت المكتئب بقلة الدين و الإيمان وجلده بصفات الضعف و الانعزال، و كوصف مريض الفصام بالجنون و الهذيان و حبسه بعيداً عن الحياة و الجانب الاجتماعي، و كلوم مريض فرط الحركة و قلة التركيز على مشاغباته وعدم احترامه للعلم و التزام الهدوء. من المؤسف جداً أن مثل هذه التصورات و أكثر كانت موجودة كذلك في السنين المنصرمة في العصر القديم، والتي كان معاصروها يدركون العلل النفسية لكنهم يفتقرون إلى تفسيرها ومعالجتها بالشكل الصحيح كربطها بالشياطين وبعض القوى و الخرافات و التعويل على العلاجات الشعبية.. مما يؤدي بالمرضى إلى أمراض أخرى أو إلى الموت! فقد استعرض الكتاب مجلد التاريخ الحافل بمحاولات لفهم النفس البشرية و العقل المحيّر في زمن الفلاسفة و الإمبراطورية الإسلامية و أوروبا المظلمة والذي يكشف عن عظيم الانهيار و الازدهار تجاه تلك النفس البشرية السقيمة. الجدير بالذكر، أن الكاتب قدم أنموذجاً قيماً لكيفية النهوض بمجال الرعاية النفسية في مجلد المجتمع، فناقش العديد من الجوانب الهامة التي يجدر بالمجتمع مراعاتها والنظر فيها بجدية كتصحيح النظرة لمن أصيبوا بالاعتلالات النفسية، وأنه لا مانع من أن يكون المريض النفسي ناجحاً بل مبدعاً، و الوقوف تجاه الاستغلال الديني تجاه الأمراض النفسية، و العديد من الوقفات الهامة حقيقة التي من شأنها انتزاع جذور مجتمعية بالية قد تأصلت على مر السنين. 

تم اختتام الكتاب بأمنية علقت في ذاكرتي، يقول الكاتب عبدالله قدير: أتمنى أن رحلة الجنون التي كانت تُحيط بمعظم الاضطرابات النفسية بعقولنا قد تحولت إلى عظمة فهم هذا الخلق، وهذا التكوين المعقد الذي وضعه الله سبحانه بهذه النفس.



الجمعة، 7 ديسمبر 2018


  رسالة امتنان




لم يكن من السهل أن تؤمن بوجود طريق بعد الجدار المغلق في وجهك، ليس من السهل أن تحاول الوصول لما خلف السبيل المسدود و تخالف عقلك الباطن بوجود شيء ما يمكن فعله بعد محاولات فاشلة و منهِكة. حين تلجأ إلى الله فقط، يمكن أن يحدث شيء مختلف، يمكن للجدار أن ينشق، و يمكن للسبيل أن يتفرق، و يمكن للإيمان الداخلي أن يتبدل، يمكن أن يحدث ما لم تتوقع حدوثه، فقط لأنك قررت أن تتعامل مع من بيده مجريات الأقدار، و الليل و النهار. أدرك مؤخراً أنني ممتنة جداً لله حين كشف لي عن ما رواء الجدار المغلق و السبيل المسدود، حين حدث ما لم أتوقع حدوثه،وحين اشتعلت فتيلة النور في عالم مظلم بشدة. إلى أي حد يجدر بي أن أكون ممتنة؟ وكيف لي أن أرسل رسالة امتنان لكل شخص أرسله الله لي، لكي يجري معجزاته على يديه، كيف لي أن أعبّر عن مدى امتناني و عرفاني؟ حقيقةً لا أعلم، لكن الشيء الذي أعلمه هو أن الشعور بالامتنان و إن لم نعبر به للأشخاص الذين قاموا بمساعدتنا كفيل بشعورنا بالسعادة، كفيل بزيادة حبنا للحياة، و للتجارب القاسية، و لتحد المخاوف، و لمجابهة أفكار عقلنا الباطن، و للاستعداد للوقوف لوقت أطول أمام الجدار المغلق.


الخميس، 8 نوفمبر 2018


  نظرية اللاشيء


ضمن أحد اللقاءات العابرة لإحدى أمسيات كامبريدج بإنجلترا دار أوّل حوارٍ بين ستيفن هوكينج وزوجته جين ويلدي قبل زواجهما والذي استهلّهُ ستيفن بالإشارة إلى اهتمامه بعلم الكون، لتبادله جين باهتمامها بالفن، و بذلك ابتدأ الحوار و الذي انطوى على أسئلة سطحية بينهما، تجاذبا فيها أطراف الأفكار عن اللغات و العلوم و الدين.

- سألت جين ستيفن قائلة: ماذا يعبد علماء الكون؟ 
- فأجابها: معادلة توحيدية واحدة والتي توضح كل شيء في الكون (نظرية كل شيء).   
- قالت جين: وماهي تلك المعادلة؟ 
- قال ستيفن: هذا هو السؤال، فأنا لست واثقاً جداً بعد.. ولكنني عازم على اكتشافها.


ستيفن ويليام هوكينج أحد علماء الفيزياء النظرية و علم الكون و الذي ذاع صيته على مستوى العالم. حيث ولد في أكسفورد لعام 1942 ودرس في جامعة أكسفورد ليبحر في عالم الفيزياء و يحوز درجة الشرف الأولى فيه و التي كانت طريقاً ممهداً لإكمال مسيرة شغفه العلمي في جامعة كامبريدج للحصول على الدكتوراه في علم الكون. لم يمل ستيفن من رحلتة حول الكون والسعي نحو إثبات ماهيّة نظرية الكل شيء، فعمل على أبحاث نظرية عديدة في مجال علم الكون و الارتباط بين الثقوب السوداء و الديناميكا الحرارية و التسلسل الزمني. 

القتال من أجل الفكرة:

في السابق، كان ستيفن شاباً مهوساً بتلك الأفكار الكونية، والتي شكّلت منه شخصاً ذو سعي دائم نحو القراءة والاطلاع والتفكّر و البحث عن الإجابة لكل سؤال يُطرَح حول آفاق الكون الشاسع في مرحلته الدراسيّة. لم يكن ليفوّت المحاضرات والواجبات الفيزيائية مهما استعصت عليه إجاباتها وفك ألغازها، لم يكن ليتوانى عن المحاولة و الهرولة نحو القاعة في كل صباح لبدء رحلة اكتشاف جديدة، حتى انتهى به المطاف ذات يوم إلى السقوط على وجهه في ساحة الجامعة بفعل عدم الاتزان الذي كان يراوده منذ فترة، والذي أسفر عن إصابته بمرض العصبون الحركي.






لم يكن ستيفن يعلم بأن هذا المرض يعني خسارته لحركته تدريجياً، وإصابته بالشلل في أعضائه شيئاً فشيئاً مع لوقت، واحتمالية عيشه لمدة لا تتجاوز السنتين فقط، حتى اختلى بطبيبه ليعرف الحقيقة القاسية. ولكنه وبالرغم من وقوعه تحت صدمة العجز الأولى، تذكّر عقله المليء بالأفكار الكونية و الألغاز التي لم تُحل بعد، و خشيَ أن يكون مصيرها إلى النسيان و الهذيان.. بفعل هذا المرض. لكنه سرعان ما اطمأن حين أجابه الطبيب بأن أفكاره الدماغية لن تتأثر بالمرض، و ترك له كلاماً عريضاً مفاده أنه لن يعلم أحد بتلك الأفكار التي في دماغك ما دامت حبيسة الدماغ فقط. من هنا قرر ستيفن القتال من أجل الأفكار، و تحدي العجز من أجل نشرها و إكمال رحلة البحث في علم الكون و استكمال نظرية الكل شيء، ليعيش ما فوق السنتين، بل عاش سنيناً طويلة تصل إلى الخمسين سنة.

رحلة ستيفن نحو الزمكان:

قبل سنوات عديدة، ابتدأ أينشتاين رحلته نحو الجاذبية، وأثبت خاصية تلك الجاذبية بالزمان والمكان (الزمكان). الزمكان مفردة تشير إلى أن الزمان والمكان يكونان في اندماج عبر نسيج واحد. حيث يجتمع الفضاء ثلاثيّ الأبعاد مع الزمن ذو البعد الواحد.  وقد أظهرت النسبية العامة الصلة بين الفضاء والوقت، وقد فسر أينشتاين ارتباط الزمكان بكثافة المادة والطاقة في معادلاته والتي قام العلماء بالاستفادة منها في اكتشاف ما الذي يمكن حدوثه للزمكان في ظروف غامضة مختلفة كما فعل ستيفن!

عاد ستيفن بأفكاره للبداية، و تصوّر الحالة الأولى للمواد حين كانت في ظروف ضغط جعلت منها مواد مكثفة في نقطة واحدة، التي أُطلِقَ عليها الثقوب السوداء. من هنا بدأ ستيفن رحلته ليكتشف مبدأ هذا الضغط و التكثف ولكن ليس للزمكان في محيط الثقوب السوداء فقط، بل في كل شيء.. أي الكون بأسره. فأخذ يدرس الكون و اتساعه المستمر المعروف، و الذي يعني أن الكون كان بالتأكيد في يوم ما أصغر وأكثر كثافة. وعندما نعود بالزمن للوراء، نجد أن عامل المقياس يجب أن يكون صفراً. أي أن كل المادة وكل الطاقة الموجودة في الكون لا بد أنها كانت ضمن نقطة واحدة بكثافة عالية جداً.. تفرد كوني. من هنا توصّل ستيفن إلى مبدأ الانفجار العظيم للكون. و أصر على أن التفرد الكوني عبارة عن ميزات تنبؤيه متوقَّعَة تسمح بوجود كون يبدأ من التفرد الكوني، فهي نظرية بداية كل شيء.

نظرية اللاشيء:

تمت محاولة إلغاء نظرية ستيفن للتفرد الكوني بفعل نظرية الحالة الثابتة و التي تنص على أن الكون لا بداية له و لا نهاية. بل إن بعض النظريات تتنبأ أنّ الكون لا يمتلك بداية على الإطلاق، وإذا عُدت بالزمن إلى الوراء سيرتد الكون ككرةٍ تقريباً ليعود إلى الحالة السابقة. وتم طرح التساؤلات الكبيرة عن عدم طرح ستيفن لمعادلات ما قبل الانفجار الكوني الذي يؤكده، ليوضح التنبؤات لما قبل النقطة الواحدة التي كانت بداية كل شيء، لينتهي الأمر بــ(اللاشيء). فقد كان ستيفن متمسكاً بآرائه لدرجة نفيه لوجود خالق لهذا الكون.. تعالى الله القائل:

اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (66) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67). الزمر


فهل يمكن الاعتقاد بأن ثمة أمر خلف شراسة ستيفن تجاه نظرية الكل شيء، هل يمكن الاعتقاد بأن ستيفن كان محض أداة لتحقيق أهداف مرجوّة من بعض مؤسسات العلم  والعلماء الذين يقبعون تحت مظلات سرّية. أم أن عجز ستيفن الجسدي جعل منه إنساناً مخلصاً للعقل بشكل هوسي فاق توقعات العالم، فغدا سابحاً خارج حدود ذلك العقل متجهاً نحو حدود الكون مؤمّلاً بأنه سوف يدرك ما وراء تلك الحدود العقلية و الكونية؟ أم أنه لم يلتفت إلى أن العقل ذاته هو محض طاقة محدودة التفكير و الاكتشاف مهما صارع الإنسان حدودها و خواطرها الواسعة؟ ربما تكون الحكاية قد انتهت بموت ستيفن، أو ابتدأت من جديد للإجابة عن الأسئلة الغامضة التي وُلدت بعده.


الخميس، 25 أكتوبر 2018


  موعد خاص


نحاول جاهدين في بداية كل صباح أن نمسك مربط اليوم وأن نسيطر على مزاجيته، تتخلل الأحداث يومنا بشكل لا إراديّ أحياناً لتشكل قوى خارقة تجتر هذا المربط من بين أيدينا، حينها ننخرط في الثرثرات و المجاملات، و في الأعمال اليومية اللازم إنجازها، و في الكثير من المهام المؤجلة التي لا تحتمل ورقةَ تقويم جديدة للغد فتجبرك على الالتزام بها، و دون أن نشعر نجدنا قد قطعنا ما يتجاوز النصف من اليوم إن لم يكن اليوم كله.

كيف لتلك المزاجية المطمئنة في الصباح أن تصمد أمام كل هذا الكم من الشواغل و الثواقل خلال اليوم؟ و كيف لها أن تكون انسيابية بما يكفي لتتسلل إلى أدمغتنا و أرواحنا حتى الصباح الذي يليه؟ لكنها و بلا شك لا تستطيع الصمود أمام ما يعكر صفوها، فهي شديدة التفلّت، سريعة الهرولة، صعبة الاستجلاب وسط بيئةٍ لا ترضيها.

لذا، فنحن مجبورون و في كل مرة نضع عن كاهلنا كل تلك الاتزامات بعد إنهائها، و كل تلك المواعيد و المشاوير المقيِّدة لنا، و بعد كل تكليف اجتماعي وحوار مباغت، أن نستجلب مزاجيتنا الخاصة في موعد ودّي خاص، نشعل فيه هوايتنا في الحديث الهادئ، نقرأ فيه روحنا مجدداً، و نمارس طقوسها في الانتعاش بشتى التفاصيل، كمجالسة كتاب في آخر الرف، أو الإنصات لترنيمة عتيقة، أو الضحك على التفاهات التي تعنينا نحن بالتحديد، و الكثير من الذي يجدر بنا فعله، بعد فعل كل شيء.