الجمعة، 18 أكتوبر 2019


الإشباع والعاطفة المنطقية


استمعت مؤخراً لحوار نقاشي حول العاطفة المتأججة في فترة المراهقة، وكيف لها أن تقود الشخص إلى متاهات من التخبط بفعل شعوره بالوحدة الممزوجة بالاستقلالية والاندفاعية في تلك الفترة الانتقالية من العمر، والتي تزيد حدتها إن كان الشخص معرضاً لعدم الإشباع العاطفي والاهتمام المتزن من قبل أسرته وأقربائه. الجدير بالذكر هو أن تلك الحالة الفسيولوجية قد تتواجد لدى الشخص في غير تلك الفترة العمرية، وذلك بفعل تحقق العوامل الآنفة، لكنها تختلف عن المراهقة باختلاف المبررات والوسائل المتخذة لإشباع تلك العاطفة، والأدهى والأمر أن تلك الفسيولوجية في العمر المتقدم قد تتخذ سلوك الثقة والشعور بالنضج (بحكم العمر المتقدم) لتحقيق تلك الرغبات العاطفية (باختلاف صورها النفسية أو الجسدية) فتشكل في نهاية المطاف وعياً زائفاً لدى الفرد بأحقيته بالإشباع بتلك الوسائل التي يؤمن بها وينتهجها.

بمعنى آخر وأكثر وضوحاً، إن الفرد الذي يحوي عاطفةً غير مشبعة (سواء كان واعياً بتلك الحاجة ومعترفاً بها في داخله أو كان غير مدرك لها) سوف يبدأ بالبحث الدؤوب لإشباعها، ومن أحد صور ذلك الإشباع العاطفي هو الإشباع من خلال العلاقات العاطفية والذي يقوم به الفرد بشكل تلقائي (بوعي أو بدون وعي) من خلال ميله إلى الجانب العاطفي فيما حوله من علاقات. ولا أعني بذلك الإشباع اتخاذ قرار واضح حيال العلاقة وتنفيذه، بل أعني الإشباع بتلك الخطوات الصغيرة التي لا يشعر الفرد من خلالها أنه في صدد بناء قرارات حسّاسة أو ضارة. فتكون تلك الخطوات من خلال محاولات متدرجة ومتخبطة تقفز بالفرد من وسيلة لأخرى سعياً لإيجاد ذلك الإشباع بأكثر من طريقة لا تتميز عن بعضها سوى في درجة الهشاشة واللامنطقية.

قد تكون أقصر رسالة حيال تلك الحالة الفسيولوجية التي تنتاب الفرد هي: "لا تشبع نقصاً بنقص"! فما يجعلك ممتلئاً عاطفيًّا عن طريق وسيلة تُنقِص من إنسانيتك أو حبك لذاتك أو احترامك لدينك ومبادئك، فإنها ستؤول بك إلى الحاجة الماسّة لإشباع آخر في كل الجوانب السابقة، وهذا يعني أن الطين قد زاد بلّة. وأرى أن عزاء الفرد الوحيد تجاه تلك المسألة هي إدراك موضعه الحالي منها، فالفرد الذي يجد نفسه في مطلع الوعي بها (وعيه بوجود حاجة لإشباع عاطفته)، كان من الأسلم له اتخاذ سبل الإشباع الأكثر أماناً، والتي تبقيه في سلام داخلي عميق يتحقق من خلال الإشباع الديني والذاتي والإشباع العاطفي بالعلاقات الآمنة الدائمة والإشباع العملي والمعرفي وإشباع الشغف بشكل عام. أما إن كان الفرد في مرحلة متقدمة من الخطوات المتخبطة، فالتراجع للخلف سوف يكفل له النجاة من السعي قدماً في خارطة متشعبة بالتيه والحيرة، وتدارك الأمر بذلك التراجع سوف ينقذه من فقدان شغفه العاطفي (بسبب إهداره في الوضع الخاطئ والتجربة الخاطئة) حين يكون بحاجة لذلك المخزون العاطفي مع الشخص الصحيح في الوضع الصحيح في المستقبل القريب أو البعيد، فيجد نفسه عاجزاً عن تقديم أو تلقي ما يستحق من عاطفة. علينا أن نؤمن بوجود المقاومة في داخلنا، والتي يمكنها تغيير مسارات خياراتنا وإدراكنا بل وحتى عاطفتنا، فإن تلك العاطفة سوف تخضع للمنطق في نهاية المطاف، فلا يمكن طمسها كعاطفة، بل بإمكاننا جعلها عاطفة منطقية، نعرف بها ماذا نريد منها ومع من وكيف نرعى رغباتها، بدل أن تكون هي الآمر الناهي في شتى مساراتنا.


الأحد، 13 أكتوبر 2019


  ثرثرة ليليّة



ماذا يعني أن تبحث عن شيء مندس، شيء لا يظهر في الكلمات أو في القسمات، شيء يكمن في الداخل، بين الفكرة وصداها، وبين القلب وعضلته اليمنى، وبين حديث النفس وأنفاسها. ماذا يعني أن تبحث عن المكنون، وعن منتهى الصدق، وما يستقر في قعر الشعور وأكثره براءة، وعما يجعل المرء أول المؤمنين به في خلَده، وأول المترددين في البوح به. أن تبحث عن شيء بـ هكذا عمق وهكذا سريّة، يعني أن تسبح في أكبر محطة للتيه. فنحن البشر ليس لنا سوى الظاهر، ذلك الظاهر الذي تنطلق منه التعابير والكلمات والتصرفات، مقتبسة من الباطن الشيء اليسير، تاركة في أعماقه الشيء الكثير مما لا ندركه وربما لن ندركه، فنظل نتعايش فيما بيننا في نطاق هلاميّ محدود بالخارج تاركين لدواخلنا نطاقاً أكثر اتساعاً من المعاني الخفيّة، فلا يمكننا من خلال ذلك الظاهر أن نراهن على الصدق بكل ما أوتينا من إيمان، ولا نجزم باليقين تجاه الآخرين بدرجة كاملة تحيلنا إلى العمى. فأرى أن أعمق نقطة في الإنسان منطقة ضيقة، لا تتسع إلا للإنسان ذاته ونفسه فقط، وما سوى ذلك فهو ينضح في الأعين والكلمات والمشاعر، وتظل تلك النقطة عصيّة على كل فرد من البشريّة مهما أجاد من مهارات الغوص في الآخرين من خلال البوح والقرب والتودد. بالنسبة لي، أستقر دائماً إلى معنى أن الإنسان يظل إنساناً، فيكون مهيأ للسقوط، والكذب، والنسيان، والكره، والبعد، بل وحتى العودة كالطفل، والتذلل، والحب، والوفاء الخالص. أؤمن دائماً ببشرية الإنسان المتقلبة وديمومة الإله الخالصة، وبالتالي، لا أتعجب كثيراً منا كبشر حين نتقلب بين الإقبال والإدبار في مستويات متقاربة ولا أعني الانقلاب العكسي المذموم (الانتكاسة) في برهة واحدة، بل أعني ذلك التفاوت الذي ينتابنا بفعل بشريتنا وتأثير ما نتعرض له من عالم (الظاهر) الذي يحيطنا بالكلمات والمواقف والتصادمات والعواطف وأكثر. وذلك لأننا لسنا تلك الأرواح التي تتغلغل في دواخل الآخرين لتدرك ما يكن كلّن في نفسه، ولم نكن ذلك الجسد الهامد الذي يخلو من الإنسانية ويتعاطى بالمادة والظاهر فقط، فنحن البشر نقبع بين ما يصدر من الآخرين الذي نتلقاه وبين الحدس الذي يقع في نفسنا تجاهه، لكننا لا ندرك مكنون الآخرين العميق حين صدر منهم ما صدر، أو إن صح التعبير لا يمكننا الجزم بدرجة كاملة حياله، ربما كان هذا هو التعليل لكون الظن أكذب الحديث، وبعضه إثم وخطيئة. فكم من صادق الشعور لم يلفظه الجب من مكنوننا، وكم من معانٍ صافية لم تأذن لها الفرص بأن تغادر تلك المنطقة وتتخلص من قبضة الإنسان وحدسه لتحلق في بوح الكلمات والنظرات والتصرفات. فحين لا نتمكن من الوصول إلى تلك النقطة العميقة في الآخرين، يكفينا بأن نؤمن بوجودها، وألا نرهق بشريّتنا المتواضعة التي خلقنا بها لإرغامها على أن تدرك ما لا يمكنها إدراكه مهما بلغت من التفكير والثرثرة، كثرثرتي الليليّة هذه.



الاثنين، 7 أكتوبر 2019


طريق الشمال وحديث عن القوى


شاهدت قبل فترة وجيزة فيلم طريق الشمال التابع لمنصة معنى الثقافية. تدور فكرة الفيلم حول توثيق رحلة صديقين نحو الشمال سيراً على الأقدام بمسافة ما يقارب 400 كلم، وما يخالج هذه الرحلة من التزامات قطعا على نفسيهما التعهد بها طيلة الرحلة ومنها الالتزام بالتحدث بالفصحى وطهي الطعام وعدم اعتلاء المركبات بشتى أنواعها. كانت رحلة فريدة بالنسبة لي، فلم تنطوي على المتعة والدهشة لتجربة شيء مغاير، بل كانت أبعد من ذلك. كان الصديقين أشبه بالأطفال حين يبحثان عن المفردة الضائعة بالفصحى ليكملا الحديث، وليصفا عمق الشعور بعد موقف ما من المواقف الكثيرة التي صادفاها. وكانا يطهوان الطعام في البرد القارس بأبسط الطرق والوسائل بدقة تامة خشية نفاد الكمية، وقد حصل أن نفد منهما الماء فكان الجلَد سيد الموقف حتى وجدا مورداً على جانب الطريق. والأجمل من كل هذه التحديات ومواطن تربية النفس هو ما اشتمله الفيلم من مصادفات الأسر الكريمة في البادية والخيام والقصور والمنازل، فعلى اختلاف مستوياتهم اتحدوا جميعاً في قيمة الكرم الخالدة للضيف أياً كانت أراضيه، فمجرد وصوله في حمى تلك الأسر، صار أهلاً لهم وشريكهم في المأكل والمشرب والمبيت. فهالني تأصل المبدأ في تلك الأسر، وعدم تأثره بأي مستوى من مستويات الرفاهية أو التحفظ أو تجنب مخالطة الغرباء، فكل يجود بأجود ما لديه في سبيل تخليد تلك النفس الأصيلة.

في الحقيقة، تبادرت إلى ذهني أفكار أبعد من هذا الفيلم، وسبحت بي نحو معانٍ واسعة تتلخص فيما نعج فيه اليوم من المسهلات الحياتية التي تجعلنا في اعتماد دائم عليها، دون الاكتراث بإمكانية فقدانها إجباراً، أو اختياراً بغية تربية النفس على نفسها، وخلق قيم وممارسات تخصها يمكن استثمارها في أي زمن ومكان وعلى أي حال من السعة أو الضيق. بالمناسبة، أذكر حديث أبي حفظه الله عن الخبز حين يأتي به إلينا من التنور ساخناً، قائلاً: تعلموا صنع مثل هذا الخبز بأنفسكم، فقد تحتاجون إلى صنعه يوماً ما. ربما يكون المعنى الذي ارتمى إليه والدي أعمق من إتقان صنع الخبز بقدر ميله إلى أهمية حمل النفس على ممارسة بعض المعايش بنفسها، كالحياكة والطهي على النار والحطب، وإتقان حفظ الشعر والتاريخ والنصوص عن ظهر قلب والتسلق والفروسية وفنون المبارزة وغيرها. تلك القيم التي لن تفنى بفناء سبل الدفاع المسخرة ووسائل الحماية التي تحيطنا وأجهزة التخزين والمستندات الإلكترونية وغيرها! أذكر قديماً في أيام الطفولة حين كنا نشاهد فيلم مولان، تلك الفتاة التي تنكرت بزي رجل لكي تقاتل بدلاً عن أبيها المسن سرّا، علّق أبي ضاحكاً: هل ستقاتلن عنّي في الحرب مثلها؟ فابتسمت وظل هذا السؤال إلى اليوم في ذهني، ماذا لو اضطررت للقتال؟

إننا اليوم نحقق إنجازات جميلة وعظيمة لكنها لا تخلو من الاعتماد على طاقات خارجية كثيرة تسهل علينا قطع تلك السبل، وإيجاد المعلومة الضائعة في ثوانٍ وترجمة الكتب، وتلاخيص البحوث، والتواصل وعقد العلاقات والشراكات، وبناء أفكار هائلة من الثقافات التي تبث من حولنا من كل جانب. فقبل أيام جاءتني طفلة تطلب مني نسخ موضوع تعبيري للمدرسة من جوجل، فتذكرت حين كنت في سنها، كنت آتي لوالدتي حفظها الله لتكتب لي هي موضوعاً تعبيرياً من لغتها الجميلة على الورق المسطر بالقلم الأزرق وأراقب معها كيف تصنع الجملة وتصيغ المعنى. قد لا ندرك أنه في حال زوال بعض الوسائل التي لا نتخيل العيش من دونها اليوم كيف ستنقلب الموازين، وكيف سيكون أصحاب الحِرَف والورق والذاكرة البشرية أكثر أهمية وقيمة من أصحاب الشاشات والهواتف والمنصات الشهيرة. لا أعني ذم وسائل الرفاهية اليوم بقدر توقفي عند قيمة الإنجازات التي نقوم بها وكيف يكون لتلك الوسائل النصيب الأكبر لإتمام تلك الإنجازات لا نسبة القيمة البشرية التي نحتويها. فحين نتساءل لم علينا أن نحمل النفس على تجارب قاسية كامتطاء القطار بدل الطائرة أو المشي بدل السيارة أو الحياكة اليدوية بدل ماكينة الخياطة أو غيرها، في حين توفّر كل ما تحتاج النفس إليه، فلن تكون الإجابة لاحتمالية زوال وسائل الرفاهية بقدر ما ستكون لخلق قيمة للنفس، ولتربيتها لمجابهة أمور وتأملات أكثر عمقا، وتوسيع مداركها بشكل أكبر، بالإضافة إلى بغية عدم تعطيل ما حُبيِت تلك النفس من إمكانيات وطاقات تكفل لها أحقية العيش بأدنى ما يمكن من إمكانيات ومسخرات أودعها الله هذه الأرض، كما أودع فينا تلك القوى الخامدة، أو إن صح التعبير، تلك القوى الخالدة، التي يمكن أن تبقينا ذوي قيمة في شتى الظروف.

الاثنين، 23 سبتمبر 2019


  في أن تكون أخضر


خلال فترات ماضية حين أكون فيها بعيدة عن وطني الحبيب المملكة العربية السعودية لفترة طويلة أدركت فيها عمق شعوري تجاه الوطن ومعناه وحضنه والانتماء إليه بحكم البعد والاشتياق، وكنت بعد العودة أهيم باللون الأخضر المتدلي من سقف المطار وبصوت المآذن في السماء وبالهوية المرتسمة على من حولي وبالرداء واللهجة والأمان. لكنني اليوم وبحضرة الوطن الحبيب، حيث أقطن، أحسست بشعور مغاير، شعور صادق، لم يصنعه البعد، أو الاغتراب أو الاشتياق، شعور ينبع من هنا، من مكان إقامتك على هذه الربوع السعودية السعيدة، شعورٌ قد أسميه انتماءً أو وفاءً أو حتى امتنان. استوقفني هذا الشعور، فأخذت أبدد شدته العاطفية كيّ أصل لماهيّته، كي أدرك ما شكله، وما هو المعنى الذي يقتات عليه ليكون بـ هكذا قوة. فبدت تساؤلات تلك الشعور بالتفاقم، كيف ينبع حبك للوطن في لحظة عابرة، وكيف لعينيك أن تدمع عند سماع أبيات غابرة، تحكي مجده وطيات نوره المسطّر. كيف يكون ذلك الشعور حبيس القلب دون أن تعلم بأنك تكن كل هذا القدر تجاه موطنك؟ ومع كل سؤال، أجد بأن الجواب يكمن في غفلة الشعور عن الشعور، فمن فرط شعورنا بالأمان، ننسى شعورنا بالامتنان، ومن فرط شعورنا بالراحة، نغفل عن شعورنا بوجودها وتحسسها، ومن فرط تقلبنا في مختلف المعايش من الصحة والتعليم والتغذية وفرص التنمية والتطوير، نغفل عن شعور ذكرها في خلدنا وشكر واهبها ابتداءً ثم مسخرها من حماة هذه البلاد. فبتنا نراها أمراً موجوداً، لا نعمة مزجاة، وفضلاً يستحق التذكير، وهبة تستجدي الصلاة والحمد. حينها، تسلل لذهني إدراك أمور جمّا، كانت وما زالت تنتسب لهذه البلاد، مكنتني للوصول لما أنا عليه، وتعدني بالوصول لما أطمح إليه. كان الشعور في لحظة الامتنان تلك رسالة خالصة بأن تكون مخلصاً لهذا العطاء العتيق، والذي لم يزل مستمراً مادام وطنك في صحة جيدة، رسالة بأن تكون مخلصاً له حتى في حالة الوهن أو الاتكاء، وبأن تكون يده الساندة، وقوته الخالدة. فالوطنية في أن تكون مورقاً بها في كل فصول وطنك وأحواله، الوطنية في أن تكون أخضر، وأجدر.



الثلاثاء، 17 سبتمبر 2019


   أقصوصة: فتيل وعويل


منضدة في زاوية الحجرة، وشمعة متراقصة تكسر كآبة الصمت المهيب، دخل منهكاً بعد يوم فارغ، تكتسي ملامح وجهه شيئاً من الشرود والبلادة. لمَ يظل مسكني أشد وحشة من العالم الخارجي؟ ألا يفترض أن يكون المسكن جنة الفرد بعيداً عن فظاعة ما يجده خارجه؟ تساءل في نفسه بصمت كعادته، فهو لا يجيد التحدث بصوت مسموع من فرط الوحدة. لكنه لم يجد جواباً من أفكاره، ووجد الجواب في شمعته المنزوية بخجل، حين بدأت تتراقص بشكل أسرع وتنفث الدخان النحيل، وكأنها تقول له، لأنك تهجر هذا المكان كثيراً، فهو لم يعد يعطيك، فأنت لا تعطيه، ألا تعلم بأن الأماكن تحنّ كذلك؟ فأخذ يقترب منها، ويتأمل فتيلها الضئيل، كيف له أن يقاوم الظلمة، ويظل ينفث ناره ونوره طيلة الليل والنهار حتى يهبّ النسيم البارد من الشرفة فيقضي عليه. جلس على مقعده المهترئ وألقى برأسه المثقل على سطح المنضدة المائل مستنداً على ذراعيه الخاويتين. لم كل هذا الخواء، لم كل هذا الصمت الذي يجتاحني رغم تزاحم الكلام بداخلي وتفجّر الشعور بين جنبيّ؟ لمَ لمْ أعد أتحدث، بل لمْ أعد أرغب بالحديث؟ أهكذا يصنع الفقد بالإنسان المسكين، أم هذا ما يجنيه من حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، سوى البكاء على تساقط الأحبة واحداً تلو الآخر كأوراق شجرة طاعنة في شهر أيلول؟ ما الذي يتوقع الإنسان أن يجنيه من رائحة البارود والتعثر في رماد منزل كان قد ترعرع فيه، ما الذي سوف يجنيه بعد الوقوف أمام لفائف عريضة تكتسي بالبياض والحمرة ليحاول جاهداً الإدراك بأنها جثمان ذويه بعد قصف لم يمهله توديعهم؟ إن فظاعة الحرب أشد من أن توصف بالكلمات أو أن يتساقط ألمها الهوينى مع الدمعات. فالحرب حربان، حرب في ساحة المعركة وحرب في صدور الأنفس والتي تبقى ندباتها أشد وطأةً من الهدم والحرق، وتظل تعيد شناتها في كل ذكرى فقد عابرة تحيل النفس إلى جنديّ مهزوم. وببطء امتدت أصابعه النحيلة نحو الفتيل ليطفأه براحة كفه لكنه ودون إدراك اتجهت أصابعه لملامسة وريقات قد دُست خلف الشمعة، فالتقطها بهزال، ساخراً منها، ومن فراغها حتى من السطور. نهض متلفتاً، يبحث عن قلم عهده هنا، منذ آخر يوم صادف فيه صاحب المنزل ليخط به توقيع دفع الإيجار الشهري. فوجده أخيراً ملقى أسفل الشرفة، قد التفت حوله شعيرات الأتربة. وظلت الشمعة تتراقص بشكل أشد بفعل اهتزاز المنضدة، فهو يكتب بنهم وحماس شديدين، لم يعهده منذ أن اتخذت نفسه الصمت رفيقاً وتوأما. فكانت الصفحات تمتلئ بشكل سريع من فرط انكبابه عليها بحبر القلم وبحر الدمع، والأغرب من ذلك، تلك الابتسامة المرتسمة على وجهه البريء وذقنه الناعم، كان كمن وجد ضالته وأنسه، فالكتابة تعالجه والمنضدة تحتضنه، والصفحات تقبله، والقلم يحادثه، وبدا يسمعه، يسمع عويله وأنفاسه، وينزف آلامه من عمق ندباته، وظل في غمرة اللقاء بنفسه ساعات طوال لم يعد يدرك كم هي، فهو يغط في نوم عميق، مستسلماً لنسيم الشرفة اللطيف، يتوسد الصفحات، وخده الباسم، وحضن حروفه الدافئ.


الخميس، 12 سبتمبر 2019


  رضا المرحلة الراهنة


يلازمنا شعور الركض المستمر لتخطي مرحلة ما وبلوغ أخرى، وكأننا جُبلنا على هذا التسارع سعياً لشيء ما يُدعى الاستقرار أو الرضا أو القبول وبمعنى أدق يُدعى التوقف. من المؤسف أننا نسعى جاهدين لكي نتوقف، أو لنستريح، وكأن الوجهة التي نسعى إليها في الحياة قد وُجِدت لكي نبلغها فنغدو جماداً حينها باسم الوصول. وبفعل امتهان ذلك التسارع المستمر يغيب عن أذهاننا معنى الاستقرار الفعليّ أو لنسمّيه الرضا.

إن الرضا بما توصلنا إليه في مرحلة ما يُجنى بتقدير ما بذلنا قبلها، فحين نتأمل المرحلة الراهنة التي نعايشها اليوم أيًّا كانت تلك المرحلة وأيًّا كان مستوى فعاليّتها المرجوّة، فإنها تسفر عن رحلة سابقة من التفكير والجهد والسعي والقرارات بما توافر من إمكانيّتنا وإدراكنا المحدود في ذلك الوقت الماضي. فليس من حق هذه المرحلة علينا أن تُنسَف وأن ندهس عليها متسارعين بعدم اعتبارها مرحلة راهنة بل رصيفاً للعبور!

الرضا بما وصلنا إليه اليوم في مرحلتنا الراهنة شعور ثمين، لا يعني الرغبة في التوقف أو عدم السعي لما هو آت، بل يعني الامتزاج بين تقدير ذواتنا وما عاصرناه فيها لكي نتواجد اليوم فيما نحن فيه، وبين الطموح لما هو أفضل باسم التحسين المستمر وتوسيع خطة الأهداف والمبتغيات، دون الإجحاف بحقنا وبحق ذواتنا بذلك اللوم المستمر والجلد القاسي بأننا لم نصل بعد للمستقبل المطلوب، ودون الإفراط في الركون بأننا نقف حالياً عند أقصى ما يمكننا الوصول إليه. وبالمناسبة، حديث الطنطاوي رحمه الله عن السعي للمستقبل جدير بالذكر حين قال:
ها أنا اليوم اكتب هذا المقال وعمري 77 عاماً، ولازلت انتظر هذا المستقبل !! المستقبل ما هو إلا خرقة حمراء وضعت على رأس ثور، يلحق بها ولن يصلها لأن المستقبل إذا وصلت إليه أصبح حاضراً والحاضر يصبح ماضياً ثم تستقبل مستقبلاً جديداً..
فالرضا يعني أن نتقبل ما نمارسه اليوم، وما نستيقظ لأجله، وما يدور عليه مدار اليوم من ومهام وأعمال بل وحتى أفكار وقرارات. كل ذلك ينصب في عيش المرحلة الراهنة وإعطاؤها حقها من الاستيعاب وأخذ الفائدة وممارسة الحياة بشكل مستقر، فذلك سوف يغيّر الكثير عما إذا كنا نعيش اليوم لكي نتخطاه، ونصنع المهام لكي نتخلص منها، وكأن تلك المرحلة تعني إلقاء كل شيء خلف ظهورنا طمعاً فيما أمامنا، دون تركيز أو وعيّ. فقد تكون المرحلة الراهنة درساً للمرحلة القادمة، وكيف للدرس أن يتم استيعابه في خضم الاضطراب والعجلة.

الجمعة، 23 أغسطس 2019


  مركز إثراء وجولة زمكان


في الفترة الماضية وافتني فرصة غير مخطط لها لزيارة مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي(إثراء)، والذي كنت أود زيارته منذ فترة. ومن حسن الحظ أن يوم الزيارة صادف يوماً قليل الزوّار فكان المكان هادئاً جدّاً مما جعل زيارتي التأمّلية أكثر إثراء. جذبني جداً تصميم المكان والمساحات الشاسعة فيه، كما أعجبني تنوع الفعاليات والبرامج المقامة وملاءمتها لمختلف الاهتمامات والفئات كالأطفال والقرّاء وهواة الفنون التشكيلية أو هواة الاستكشاف والابتكار. لم أتمكن بالتأكيد من زيارة جميع الفعاليات، لكنني زرت المكتبة والمقاهي والسينما وشاهدت فيلماً لطيفاً واقتنيت كتيّب ادفارد مونك الذي سأخصه بتدوينة مستقلة، ثم توجهت للمتجر وأخيراً اختتمت جولتي بمعرض زمكان.

ملاحظة: اضغط على الصورة لمشاهدتها بحجمها الطبيعي.


المكتبة:

تتكون مكتبة إثراء من أكثر من طابق وأكثر من قسم بمختلف المحتويات الأدبية لمختلف الأعمار والاتجاهات، والتي تم تصميم طوابقها بشكل مقوّس احترافي يجعلك تعبر كل طابق باستخدام السلم المتحرك وكأنك تعبر أرفف مكتبة. حقيقةً لم يسعفني الوقت للجلوس فيها لوقت طويل لكنني تعلقت بها وبنوعية الكتب المعروضة فيها والتي يمنع اقتناؤها للأسف فهي معدة للقراءة فقط. أحببت طريقة عرض الكتب وإضاءة وسكينة المكان والتزام المتواجدين بالهدوء، مما جعلني أشعر بضرورة تكرار الزيارة!


المتجر:

يحتوي متجر إثراء على مقتنيات لطيفة تتنوع بين الأعمال الحرفية التذكارية للمركز والمنحوتات والتحف والحقائب وغيرها. الجميل في المتجر أنه يستعرض المقتنيات بطابع الهوية السعودية كما أنه يستعرض أعمالاً من إنتاج أيدٍ سعودية. كما سعدت بمصادفة إصدارات سارة الهندي بين أرفف المتجر. بالمناسبة، اقتنيت دبوس تذكاري وفاصل كتاب رقيق للعاصمة وتحفة ملوّنة.


معرض زمكان:

في نهاية المطاف توجهت لمعرض زمكان الذي استوقفني اسمه وفكرته، ففضلت توثيق ما يلهمني من معروضات وما يخالجني من شعور تجاهها.
"يستعرض المعرض 11 عملا فنيا يعبر فيه الفنانون عن مفاهيم الزمان والمكان لتفتح مجال للتأملات حول التساؤلات الخاصة بالوقت والفضاء الذي يحيط بنا"


أثناء تجوالي في المعرض لم يكن هناك أشخاص يقومون بتوضيح فكرة الأعمال ومقاصدها مما أتاح لي فرصة التأمل الشخصية التي تأذن للشعور الداخلي بأن يفسر أفكار الأعمال المشاهدة وتفسيرها بطريقة قد تختلف عن مغزى صانعها. فيما يلي قائمة بأعمال استوقفتني مرفقة بتأملاتي الخاصة:

ما يكمن وراء الشمس:



حين تأملت هذا العمل، بدت الفكرة بالغوص في تفاصيل التهاب الشمس، تلك الشمس التي تبدو لنا كوجه لطيف مستدير، يوحي لنا بالإشراق والفأل، لكنه يضم في داخله شبكة معقدة من جزيئات اللهب والحرارة لتظهر صافية المطلع ودافئة التأثير.

حاويات النفط:



من ينظر إلى حاويات النفط في أزقة البلاد وحجرات المصانع قد لا يدرك أهميتها الجمالية ويقتصر على أهميتها العملية فحسب، بينما تجمع تلك الحاويات في هذا العمل ألوانها المتفرقة أوحت لي بأن الجمال موجود في كل شيء، حتى في التفاصيل العتيقة أو المعطوبة، فالجمال حق للجميع، والذائقة تعود لك أنت فقط.

الحب هو قانوني، الحب هو إيماني:



حقيقةً، هذا العمل أطلت الوقوف عنده كلغز، فالحب بالنسبة لي مساحة صافية بعيدة كل البعد عن الزوايا والمكعبات والحدود الضيقة، فشكل لي بعض التناقض. لكن ما استشفيته من العمل واسمه هو أن الحب قانون ثابت كقوانين الزوايا متساوية الأضلاع، وإيمان راسخ يكمن في كل شخص لكنه يختلف باختلاف مبادئه وتجاربه الحياتية بأبعاد مختلفة كأبعاد المكعب المتداخلة والتي تصل في نهاية المطاف إلى عمق الشخص الداخلي، بأن الحب يسكنه لا محالة، والفرص والأشخاص تستخرجه!

تدفق:


ما نراه متشابكاً ومعقداً من أبعاد الحياة قد يكون شبكة انسيابية تدعو لتدفق المعاني والصدف وأشياء لم نتوقعها، هذا ما لمسته من أبعاد هذا العمل.

صوت الصحراء:



شدتني تلك الغرفة المظلمة، وهي عبارة عن شاشة عريضة صامتة تعكس تجربة شخص في تسجيل صوت الصحراء الخالي من أي تداخلات بشرية أو ضجيج المدينة، ولتشاركه تلك التجربة عليك فقط وضع سماعات الأذن والاستماع إلى صوت مذهل.

استمتعت جداً بزيارتي الخاطفة لمركز إثراء والتي تستحق التكرار وقضاء وقت أطول. من الجميل أن نرى مثل تلك النماذج من المراكز الداعمة للهوية الوطنية والجهود الشبابيّة بطابع حديث يحاكي تطور العالم من حول المملكة. ختاماً أشكر القائمين على تلك المبادرات في موسم الشرقية وأشكركم لمشاركتي تلك الجولة في هذه التدوينة، دمتم بخير.