المشاركات

مودي وثرثرة حول الارتباط المُخلص

صورة
اعتدت أن أبحث طويلاً عن الأعمال السينمائية التي تستهويني مشاهدتها، فالانتقائية لديّ مرهقة، بالمناسبة لا أعتبر ذلك مثاليّة بقدر ما هو رغبة ذاتيّة لا أكثر في مشاهدة ما يلهم الشغف والروح حقًّا وبدرجة كافية تجعل من ذلك العمل المُشاهَد إضافة معنويّة لنفسي أو رسالة إنسانيّة (بغض النظر أحياناً عن كونه مرشّح أو عالمي أو عمل غير معروف أو اكتشفته شخصيًّا). قبل يومين كنت أبحث عن عمل ملهم لأشاهده، وجدت منشور ينصح بمشاهدة فيلم يُدعى مودي ( Maudie ) حول العلاقات المثالية، وحين اتجهت لمشاهدة المحتوى الإعلاني للفيلم، كان الانطباع ملهماً من الثواني الأولى، فاتجهت لمشاهدة الفيلم مباشرة قبل إنهاء المقطع الإعلاني دون أن أنتبه لحماستي، فقد لامستني رسالة الفيلم ونمط إخراجه. يحكي الفيلم قصة امرأة تُدعى مودي تعاني من التهاب المفاصل، والذي لم يمنعها من خوض الحياة بطبيعيّة وممارسة هواية فن التلوين بعفويّة وثقة، مما شكّل منها امرأة ترى في نفسها شيئًا مميّزًا لا مشيناً أو مخجل. الجدير بالذكر هو أنّ مودي كانت تبحث عن استقلاليّتها عن أسرتها التي لم تعترف بها كإنسانة يُعتمَد عليها، وحين شقت طريقها في العم...

17 مارس. تسع سنوات | تدوين وأكثر.

صورة
حين شارفت الساعة على الإثني عشر صباحاً، قررت الاحتفاء بالذكرى التاسعة لمنزلي، دون انتظار الصباح، وقبل النوم، خوفاً من أن يغفو الشعور السعيد، ويصحو بوجه رتيب. اليوم تكمل مدونتي العزيزة تسع سنوات، وأكمل معها تسع رحلات في عالم التدوين، فكل سنة بمثابة رحلة، أرافق فيها نمطاً جديدًا من الحرف والشعور، والأصدقاء والملهمين. خلال هذه السنة اخترت لمنزلي حلّة جديدة تلائم بساطتي وتواضع المكان، بالرغم من أنني فكرت في إنشاء منصة جديدة كليًّا خارج موقع بلوقر، والشروع في تصميم مدونة جديدة تحاكي جماليات التصاميم الحديثة، لكنني أحسست بشعور غريب، وكأنني أشرع في نزع نفسي من موطني. فكيف لي أن أترك هذا المنزل بما فيه من ذكريات تأتأة حروفي الأولى، وخطوات كتاباتي البدائية، وطفولة المعاني والصفحات، وشغف أولى الكلمات، بحجة الانتقال لمكان أجمل! حينها أيقنت بأن الجمال يكمن في الألفة، والانسجام، والوفاء لهذه المدوّنة التي أسأل الله أن يحفظها في هذا الفضاء المزدحم من الضياع، فعند إنشائي لها قبل تسع سنوات قمت باستخدام بريد إلكتروني، والذي تعرض فيما بعد للإغلاق بفعل إجراءات الخصوصية المتسلّطة، والتي أدت به إلى ...

قراءة في شخصيّة جين إير: الوداعة الجامحة

صورة
في ليالي الشتاء القريبة التي مضت كنت أقضي وقت قراءتي في رواية جين إير لشارلوت برونتي بترجمة مذهلة من دار الحرف العربي. تلك الرواية التي أجلتها خصّيصًا لساعات الليالي الطويلة، وكان اختياري موفّقًا حيث حملت تلك الحكاية تفاصيل برد الشتاء وأحاديث المدفئة ورجفة العواطف، فانصبّت أحداثها متناسقة مع الموسم ومعي شخصيًّا. فلطالما توقّفت عن القراءة لأشيد بانجذابي وإعجابي وأحياناً شجوني بدمعات صادقة بفعل النصوص وكيف لها أن تصف شخصيّة جين إير وتفاصيل المكان والزمان والناس بدقّة عالية أشبه ما تكون بمشهد كلاسيكي سينمائي من الطراز الرفيع. ما دفعني للكتابة هنا بالتحديد ليس الرواية، بل شخصية جين إير ذاتها. فبالرغم من نشأة جين إير في بيئة منغلقة وقاسية إلا أنّها امتلكت في عقلها آفاقاً واسعة من التأمّل والحكمة والحدس نافذ البصيرة والعاطفة الهادئة والصرامة الجامحة. وجدت في شخصيّتها بعض الجوانب المطابقة لشخصيّتي، وعجبت من بعض النصوص التي وجدتني بين سطورها حين تصف النظرة المحايدة للحياة والأشخاص والمشاعر، حتى وإن لم يعش القارئ نفس ظروف بطل الرواية، إلا أنه في الحقيقة قد يتصادف معه في ذات الفلسفة ا...

كيف

صورة
كيف لتلك المصابيح أن تغدو عتمةً في لحظة خاطفة، كيف للحزن أن يلج من مولج البهجة الذي اعتدته، وأن يتربع اليأس والخواء في مستقر الشغف والعطاء، كيف لذلك كله أن يهبط على روحي الساكنة كما العاصفة التي لا ترحم سنابل فؤادي المتطايرة، والتي أخذتُ أجدّ في غرسها مواسم طويلة، سقيتها من غيث الفؤاد وصدق البذل ونشوة الإخلاص. كيف لكل ذلك أن يحدث كشيء يستحيل حدوثه، وكيف لكل ذلك أن يُهدم في مشهد مسرحيّ هزليّ يدعو للبكاء. ذلك البكاء الذي أخذ ينهش الروح بانتهاء تلك المسرحية الصاخبة، والذي أحال حقل الروح أرض مقفرة تعج بصفير الهواجس، فعينايَ لا تحتملان البكاء الغزير، وشفتاي لا تطيق الصمت الطويل، الذي يحيلها كنبعٍ صافٍ قد ردمته تراكمات رمال الكتمان على مرّ السكون، وقلبي النابض بالحياة لا يمكنه استيعاب الألم، ذلك الألم الذي يحدث حين يُؤذى القلب أو يظنّ القلب بأنه قد آذى أحدًا. كيف؟ وهل للــ(كيف) أن تكفّ عن التوالد في حضرة الحزن، وهل يمكن أن نتكيّف بعد كل كيف تغرس فينا شوكة من سؤال جديد؟ أم يجدر بنا أن نغدو كالجليد؟ ننزع شائكات الأسئلة المضنية من خاصرة الضمير، ونمضي كالضرير في ساحة المعركة بغية الانتصار...

في حضرة اللاشعور

صورة
إلى الصمت كم أطلتُ الإنصات، وإلى ما يُحبس في شفتيّ من كلمات، وإلى كل شعور قد توارى في حضرة اللاشعور، لكنّه لا ينفي وجوده. إلى كل التفاصيل التي لا يعيها أحد، وإلى كل الوحدة التي أخالها ضعفاً، وإلى كل العواطف الصادقة، والمعاني المخلصة، التي يُساء فهمها من حولي، إلى كل ذلك العالم الداخليّ المنطوي على صمته في زاوية العالم الأكبر، أخطّ رثائيَ المبتور. فالشوارع تضجّ بالمارّة، وليس من شأن أحدهم أن يلتقطك، أو أن يرى في عدم وجودك وجود آخر، وفي صمتك، كومة من الأحاديث البكماء، وفي توقّفك عن قطع الأرصفة تردّدًا من مصادفة ذات المنزلَق الذي تجرّعته في شتاءٍ منصرم. فأنت لا تبدو وحيدًا، ولا تبدو أكثر من كائن يجلس برفقة ذاته، تحت عمود الإنارة اليتيم، تستظل سحابة تجود بقطرات من مطر يهمي على عجَل، ليتخطّى بقعتك، إلى الضفّة الأخرى.   تتفحّص العالم الخارجيّ بأعين عالمك الداخليّ، فتبدو بلا شعور، لكنّك عاصفة المشاعر، وبركانها، وفيضانها، ومنبعها الأكثر عمقاً، الذي قد ردمه الصمت المطبق، والعزلة الطويلة. لكن الطبيعة لن تجود بمواساتك في تلك الرحلة الخاوية، ولن تشاركك الصمت الذي يقدّس لحظة غي...

ماذا تخبئ الأيّام

صورة
في الفترة المنصرمة كثيرًا ما كنتُ أتساءل عن ماذا تخبئ الأيّام. وما عسى للسماء أن تجلب؟ أتراها ستغمرنا بالوابل الصيّب، أو أنّها تنبئ بريح عاتية، تحيل أرواحنا لأرض قاحلة. تعصف بي فكرة التساؤل عن الأقدار، عن شكلها وماهيّة أحداثها، عن الأناس الذين سنرافقهم أو سنفقدهم، عن قلوبنا المتقلّبة، وكيف ستبدو بعد فترة من الزمن. أتساءل، عن حقول الروح، وسواقي المياه العذبة حولها، أتساءل عن جوهر الحب فينا، وعن قطّاع طرقه المتربّصين بنا، أتفكّر في قوافل السنون المقبلة، وخباياها المحمّلة على ركائب القدر. وأتأمّل كيف لعقلي الصغير، أن يحاول جاهدًا أن يتنبأ بجهله المحض جلّ الحقيقة، أو أن يحدس ببضعٍ منها. لكنني وفي حضرة تلك التساؤلات، أدركت معنًا متوهّجًا، أحال تلك الحيرة المدوّية إلى صمت مطبق؛ "أنا عندَ ظنِّ عبدي بي فلْيظُنَّ بي ما شاء". هذه الكلمات النيّرات بدت تلازمني كلّما راودتني تلك التساؤلات مجدّدًا، حتى غدت منهاجًا أنتهجه في سبيلي، ومبدأً ثابتًا للعيش في مختلف مراحلي الحياتيّة، فاستقرّ القلب في معناها، وطمع في مبتغاها. فحين أتلهّف لإخماد تساؤلاتي الوجوديّة، أجد تلك الإجابات الش...

استنطاق إفريز الحياة

صورة
  قبل عدة أشهر، قمت باقتناء كتيّب خاص بمعرض "مفازات الروح" خلال زيارتي لمركز إثراءبالظهران . في بداية الأمر، كان التصفّح فاتحة الإلهام، فلقد اشتمل الكتيّب على مجموعة من أعمال الفنان النرويجي إدفارد مونك ، التي أطلق عليها عنوان "إفريز الحياة"، والتي جسّد فيها التحديات الوجودية للذات في الحياة كالحب والفقد والوحدة والسقم والقلق واليأس وغيرها. وجدت في نفسي انجذاب إلى تلك الأعمال من حيث محورها الأساسي؛ الذات. وتساءلت حينها، كيف لذلك التكوين الـلا مرئي أن تتجسّد معانيه وصراعاته بتكوين آخر مرئي، وهي اللوحة الفنية. وكيف تمكّن إدفارد مونك من خلق عالم فني ذو تفاصيل معقدة لتكون ذات صلة بذواتنا وفهمنا المعقّد لها.   في حقيقة الأمر وبعد ذلك الإلهام، نويت التدوين عن أعمال إفريز الحياة من حيث شرح أسلوب الفنان فيها، وتفسير اختياره لبعض الألوان المعيّنة عن غيرها ليصف صراع ما في إحدى لوحاته. لكن ومن حسن الحظ، مررت بأعمال شغلتني عن البدء في تلك التدوينة، مما اضطرني إلى تأجيلها. فخلال هذه الفترة المطوّلة من التأجيل، تلقّيت مهارة جديدة في إحدى البرامج الخاصة بكتابة ال...