ما ندفعه مقابل الوضوح حياتيًّا


مؤخرًا، كنت في مقاومة شعوريّة محصلتها إدراك أنني كنت أدور في حلقة، ذلك الدوران كان يشكّل لي نمطًا من التفكير، فتفسير، فإنهاك، لعدم التوصّل إلى نتيجة خاتمة. عندها، استوعبت أنها حلقة، فلا خاتمة للحلقات في مثل هذه الحالة، بل كسر لها، وتحويلها إلى مسارات قابلة لأن نسلكها، مسارات موازية للمبادئ التي تجعل من ذلك التفكير المضني وعيًا أو استقرارًا أو راحة أو وضوح. 

بالمناسبة، إن كان ما تمر به في مرحلتك هو مشكلة، فالوضوح قد لا يهبك حلّاً جذريًّا بالضرورة بتلك النتيجة المُدرَكَة، لكنه يمنحك مسار أو مخرج يكشف لك عن خيارات أكثر استقرار للتكيف مع المرحلة. والتي قد تؤدي في نهاية مطافها إلى راحة فاستنارة فحلول.

نظريًّا، يبدو الوضوح بهذه السهولة أو السيولة، لكنه واقعيًّا قد يعرقلك عنها، فالوضوح قد يُفقدك مع الوقت وتراكم التجارب وكسر العديد من الحلقات والتحرر نحو المسارات، مرونتك مع الأمور أو الأشخاص الغير واضحين. لن تكون قادرًا على احتمال الضبابيّة أو الرماديّة بعد الآن، فهي تبدو لك شيء تعسفي ومثير للحنق، وقد يجعل منك شخصًا نافد الصبر مع التجارب واضحة العاقبة بالنسبة لك، والغامضة بشكل مثير وحماسي لغيرك. خاصة تلك التجارب الصادرة عن براءة أو جهل من هم حولك ممن تخالطهم حياتيًّا، والذين قد لا يزالون يدورون في حلقاتهم، بينما تقف أنت خارجًا، مدركًا كل تلك الحلقات التي يجدر بها أن تُكسر، وبحكم المخالطة سترفض البتة مشاركتهم الدوران، كونك تبصر الحلقة، فتختار الخروج بالتأكيد، حينها قد يُحكَم عليك بأحكام تضحكك او تبكيك، أو تودي بك إلى اللامبالاة والنفاذ بجِلدك وجَلَدِك حاملاً انتصاراتك ومداركك وراحة بالك.

صحيح أنني اليوم أكثر وضوحًا مع نفسي من أي وقت مضى، وبالتالي أكثر قابلية للتخلي مقابل خفة الوضوح، إلا أنني أثقل حملًا مما سبق بفعل المدارك أو المعارك التي يتطلبها ذلك التخلي. وهذا منطقي، فبطبيعة الحال، لكل شيء ثمن مقابل حيازته، ماديًّا أو معنويًّا.والوضوح أحدها.

فمقابل رفضك للدوران في حلقات ضبابيّة واضحة المآلات بالنسبة لك قد تنهي علاقات، أو تخسر (هقوات)، أو تكون أطفأ من بريق التوقعات، ولكن المكسب هو استجماع الخبرات والتأكيد الداخلي على محصلاتها، وانتمائك إلى أرضك وسمائك، وعيشك فيهما بمواردك وقراراتك واستقلاليتك، وأعظم استقلالية هي الاستقلالية الروحية، والروح لا تكذب ولا تدعي ولا تجامل، لكنها النفس، هي التي تراوغ وتجادل.

ما ندفعه مقابل الوضوح قد يبدو كخسائر، وذلك بفعل الانتقائية التي تفلتر بشكل دوري ما نظنه مكاسب حياتيّة، لكن ما أريد تأكيده هو أن القلة المباركة خير من الكثرة المربكة، والصراحة التي تنجيك خير من المجاملة التي تفقدك نفسك وتفنيك، وقرار يصدر من ثبات خير من رد فعل للإثبات، وغيرها الكثير من الحلقات التي نخشى كسرها لسبب أو لآخر.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أن تعيش حقيقتك – خطوات عميقة في معرفة النفس

فضائل الأمور البسيطة

المرأة من منظور "زمّليني"