المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف بين دفتين

أنشودة الوجود في تراديجيا الحياة

صورة
​ منذ فترة طويلة لم أقرأ رواية ذات زخم معنوي ولغوي ووجودي، قرأتها على مهل خلال الثلاثة أشهر الأخيرة، كانت بمثابة السرداب السماوي الذي آوي إليه، لتحتوي مآزقي الوجودية في مراحل حياتيّة غير مستقرة، كون البطل يواجه مآزقه كذلك. عشت مع البطل يقظان عبد الحيّ يقظته وحياته، رغم كل المآزق والجراح والأتراح، بل وحتى الأفراح. كانت السرديّة عبارة عن محاولات يقظان للتمسك بحياته والتي واست محاولاتي، فكشف عنها في تلك الصفحات ليتجلى لنا طريق الخلاص نحو مداواة تلك الجراح أو مداراتها إن صح التعبير. "جرحى الحياة" رواية للمفكر والأديب المغربي بنسالم حِمِّيش، أبدع فيها بفتق منافذ النور في الكهوف، وعزف نشيد يخفف المآسي ويجوّد الوجود، يلهم الملتاعين من فواجع الفقد والوحدة والخيبات، بأن الخلاص في الإخلاص، الإخلاص لفكرة الوجود ذاته، حيثما وجدته، ولو كان في نبضة حب، أو الانغماس في الكتابة والهواية، أو محادثة صديق، أو الحركة والرياضة،    أو التأمل في شروق الشمس وغروبها، واستنشاق هوى البحر، ومساعدة تائه في دهاليز الحياة. ما أروع النبذة الخلفية للرواية، حيث يقول فيها الكاتب على لسان يقظان: "ماضيا، كنت...

تأملات الشتاء مع أحمد بهجت

صورة
مع دخول موسم الشتاء المحبب، بدأت بقراءة كتاب أعاد إليّ شعور الانسجام مع الصفحة ومافيها، كتاب أيقظ دهشة المعاني القديمة التي تجعلني عاجزة عن التعبير حقًّا، كتاب قررت منحه كامل انتباهي بعيدًا حتى عن القلم المحدد لانتقاء اقتباساته، وذلك من فرط إلهامه وقبساته. التقطته وأنا أتصفح متجر " منشورات حياة "، فجذبني العنوان وقمت بطلبه دون تصفح، وحينما وصلني وقرأت مطلعه، أُعجبت به وأسرعت باحثة عن الكاتب، فأحزنني جدًّا أنه قد تُوُفي. أحمد بهجت، رحمه الله، كاتب وصحفي مصري، من عباد الله البسطاء والعميقين، الأحرار والبريئين، المزيج الإنساني الذي أحبه وأطمئنّ له. حينها لم أستغرب هذا الإنتاج الأدبي البتة. الكتاب هو "تأملات في عذوبة الكون". مقالات مليئة بالإعجاز الكوني والإعجاز الأدبي، الروح حاضرة في تفاصيل ملكوت الله، تعبُر وتعبّر، بشكل فريد لم يسبق لي أن تذوقته. حتى نصوص عبد الإله بلقزيز (رغم إيماني باستثنائية وتفرد كل كاتب بعيدًا عن المقارنة) لم تمنحني هذا النوع من التأمل الحياتي من جذر نبته إلى فضاءات السماوات. وكما قال بهجت أنه يكتب لأمرين، الكتابة في الصحيفة والكتابة في صفحة الحي...

رويدًا باتجاه الأرض

صورة
كنتُ في زيارة للبحر هربًا من غرق اليابسة وروتين ركض المدينة، كنت أحس بحاجتي للساحل لإعادة تشكيل طينتي النفسية، ورويّتي الحياتيّة، كمحاولة لاستعادة الأنا من أنانيّة المهنة وقائمة التزامات لا تفتأ تستطيل وتتفرع وتلتف حولي حتى بدأت أنساني وأفقد إنساني. أمام البحر مارستُ طقوس طفولتي، انغمرتُ في الماء، وحملتُ الطين في كفّي، جمعتُ الأصداف، وركضت بقبعة القش على جانب الشاطئ بخطوة في الهواء وأخرى باغتتني بانغراسها في الطين والماء، داعبتُ الغروب بأغنية فلحقتني الشمس، واستحال غروبها إشراقًا فيّ، رافقتُ أناس أحبهم وضحكت حدّ التبلل بالدموع، بتّ بمسكن على الساحل واختليت بأحزاني حتى غادرتني بالدموع كذلك. في اليوم الأخير اغتنمتُ سويعات ما قبل العودة لزيارة مكان أحبه تربطني به ذكريات حنونة ولحظات خاصة من الدهشة والإلهام، مركز إثراء. كان الوقت صباحًا وكان الهدوء طاغيًا. لم يكن هناك تخطيط سوى زيارة متحف للحِرَف اليدويّة ثم الاختلاء بكتاب قيد الصدفة في المكتبة. وفعلًا بعد انتهاء جولة المتحف الفريدة والتي أخذتني لفرصة التعرف على أسرار مخطوطات أثريّة وتحف فنيّة وزيارة ركن الروشن الحجازي الذي تتخلله الإض...

فضائل الأمور البسيطة

صورة
في معرض الكتاب الماضي أثناء تجولي بين الدور قمت بالتوجه إلى دار تشكيل وتقليب نظري بين الكتب، لفتني كتاب بعنوان فضائل الأمور البسيطة وبمجرد أن لاحظني مسؤول المبيعات حمل الكتاب في يده وبدأ بتعريفه لي وبمحتواه الذي أثار فضولي كونه يعزز فكرة تبسيط حياتنا المعقدة ويلفت انتباهنا إلى استشعار الأمور البسيطة وفضائلها، فاقتنيته وقرأته. التدوينة ليست مراجعة للكتاب، بل مراجعة للحياة من منظور سطوره. تستعرض مؤلفة الكتاب مارينا زويلين الحياة كخلاصة لتجاربها المجتمعية والفلسفية وتطرحها بتساؤل: لماذا يرتاب البعض من good-enough life (الحياة الجيدة بالقدر الكافي) ؟ أو الحياة المعتدلة أو القائمة على الوسطية، هل لأنهم يعتقدون بأنها عبارة عن الرضا بالقليل والقناعة بأبسط الحقوق؟ وقد نفت ذلك مباشرة وأصابت في التعريف الصحيح لتلك الحياة الطيبة: "الحياة الجيدة بالقدر الكافي لا تتعلق بخفض سقف طموحاتك أو بتقديمك مجموعة من التنازلات إلى حد يحبطك، بل تتعلق باختلاف نظرتك إلى الآخرين، وإعطائك المزيد من الاهتمام لما يكمن خلف مجموعة الإنجازات اللافتة." وأظنها ترمي إلى أن الاكتفاء في هذه الحياة المعتدلة لا ي...

عن الضجر الوظيفي والحياة التي نريدها

صورة
  *ملاحظة: الطرح هنا تدوينة شخصيّة والآراء فيها لا تُعمّم، فأحوال ومستويات البشر تختلف، ومقدرتهم في المحيط الوظيفي على الاختيار والاضطرار تتفاوت، كتفاوت الوظائف نفسها في مدى حساسيّتها وأهمّيتها للفرد أو المجتمع. أؤمن دائمًا بأن الوظيفة ليست مصدر دخل فقط، بل هي إضافة للمرء في شتى جوانب الحياة الاجتماعيّة والمهنيّة والنفسيّة، وظللت محافظة على هذا المبدأ حتى تناسيته شيئًا فشيئًا دون وعي خلال مرحلة عمل استغرقت سنتين. وفي أواخر السنة الثانية بدأت تطفو على السطح مؤشرات تذكّرني بهذا المبدأ وتسفر عن كيانات تنتمي إليّ يجب انتشالها من الغرق في الأعماق لتستعيد رئتيها وتتنفس في محيط وظيفي يحقق لها معايير هذا المبدأ.  لا أعني بحديثي هذا هو العمل في محيط وظيفي يحقق لي الرفاهية النفسيّة، مطلقًا، ففلسفة العمل بحد ذاتها ترتبط بالالتزام وتنفيذ ما تمليه عليك المصلحة الإنتاجيّة، وهذا بحد ذاته أمر مرهق للنفس. لكنني أعني بأن لا تخلو مسيرتك الوظيفية من العائد النافع الذي يتجاوز عائد الدخل (هذا إن كان الدخل مرضيًا) وتحقيق المنفعة لأصحاب العمل! فمن حقك أن تتلقى عوائد أوسع ترتقي بشخصيّتك وموهبتك وطريقة...

مكتبة إثراء وقراءات جديدة

صورة
مع عودة الحياة مؤخرًا شيئًا فشيئًا لوضعها الطبيعي، تواصلت مع مركز إثراء لأستفسر عن إمكانيّة الزيارة في هذه الفترة. كان من المبهج أن الأقسام الرئيسية للمركز تزاول نشاطها بالرغم من تراجع نشاط العديد من الفعاليات المُقامة دوريًّا في المركز بحكم التباعد الاجتماعي. لكنني لم أتوقع تراجع روّاد المركز إلى هذا الحد، فحين توجهنا لإثراء صباحًا كنّا الزوّار الوحيدين في هذا المبنى الكبير، كان الشعور غريبًا في الحقيقة، ولكنني وبعد مضي القليل من الوقت لحظت بدء توافد القليل من الزوّار. بالنسبة لي، فضلت أن يكون المكان هكذا لعدم الاحتكاك بجمع من الناس فضلًا عن فرصة توفّر الهدوء الملائم لساعات الصباح التي نويت أن أقضيها في المكتبة. لكنني قبل ذلك، توجهت للمتجر لاقتناء بعض الحاجيّات الملهمة وتناول المفرحات. في الواقع، لم يكن في خلدي أي توصية عن الكتب التي أود قراءتها (بالمناسبة، مكتبة إثراء توفر الكتب لقراءتها فقط وليس شراءها). فقد كانت خطتي هي التجول في قسم الأدب العربي والتقاط الكتب الملهمة بالنسبة لي والجلوس لقراءتها. الجميل في الأمر، أن المكتبة ترفع من شهيّة تجوالك واطلاعك على الكتب بتصميمها...