المشاركات

حين تكشّر الدنيا عن أنيابها

صورة
" هذي الدنيا ما تسوى" أيّ أن لاشيء في الدنيا يستحق، أسمع هذه المقولة كثيرًا من كبار السن، أو ممن كبروا قبل سنهم. أسمعها ممن تفاءلوا حتى يئسوا، أو ممن يئسوا حتى تفاءلوا. فحين تكشر الدنيا عن أنيابها، تضطرهم للتغابي ومجاملتها بأن أنيابها تلك محض ابتسامة عريضة لها.   لا أعلم ما تصنيفي من بين تلك الفئات المؤيدة لهذه المقولة أو الحقيقة، لكنني قبل أسبوعين وأثناء تواجدي في مقر عملي، تلقيت خبر غرق غرفتي بفعل انفجار أنبوب الماء، وحين أقول غرق فهو غرق فعلي، فالماء ارتفع بنسبة كافية ليغمر الجزء السفلي من الأثاث ويطفوا بكل ما هو على الأرض حتى موصلات الكهرباء، ومن رحمة الله أنني اعتدت إقفال الكهرباء قبل الخروج.    في لحظة أولى من الهلع وأنا أشاهد المقاطع المصوّرة والمرسلة لي وأنا مكبّلة بقلة الحيلة وعدم مقدرتي على الخروج حالًا لإنقاذ غرفتي وأشيائي الحبيبة، مسلّمة بالأمر وتاركة لمن يتواجدون هناك مهمّة التصرف، بدأتْ ذاكرتي باسترجاع كل ما هو على الأرض وطاله الغرق، وتصنيف أهميته ومدى تقبلي لتلفه، فتذكرت دفتري الثمين السمين والذي يلتهم كل ذكريات سنواتي الماضية،  جهاز الكومبيوتر المح...

تأملات الشتاء مع أحمد بهجت

صورة
مع دخول موسم الشتاء المحبب، بدأت بقراءة كتاب أعاد إليّ شعور الانسجام مع الصفحة ومافيها، كتاب أيقظ دهشة المعاني القديمة التي تجعلني عاجزة عن التعبير حقًّا، كتاب قررت منحه كامل انتباهي بعيدًا حتى عن القلم المحدد لانتقاء اقتباساته، وذلك من فرط إلهامه وقبساته. التقطته وأنا أتصفح متجر " منشورات حياة "، فجذبني العنوان وقمت بطلبه دون تصفح، وحينما وصلني وقرأت مطلعه، أُعجبت به وأسرعت باحثة عن الكاتب، فأحزنني جدًّا أنه قد تُوُفي. أحمد بهجت، رحمه الله، كاتب وصحفي مصري، من عباد الله البسطاء والعميقين، الأحرار والبريئين، المزيج الإنساني الذي أحبه وأطمئنّ له. حينها لم أستغرب هذا الإنتاج الأدبي البتة. الكتاب هو "تأملات في عذوبة الكون". مقالات مليئة بالإعجاز الكوني والإعجاز الأدبي، الروح حاضرة في تفاصيل ملكوت الله، تعبُر وتعبّر، بشكل فريد لم يسبق لي أن تذوقته. حتى نصوص عبد الإله بلقزيز (رغم إيماني باستثنائية وتفرد كل كاتب بعيدًا عن المقارنة) لم تمنحني هذا النوع من التأمل الحياتي من جذر نبته إلى فضاءات السماوات. وكما قال بهجت أنه يكتب لأمرين، الكتابة في الصحيفة والكتابة في صفحة الحي...

ثلاث جواهر مفقودة

صورة
كم هي قريبة من قلبي تلك الأعمال التي تصيغ الواقع بإلهام سينمائي أو تعميق إنساني، لا يمكنني تجاوزها دون الاستلهام منها والتوقف عند مشاهدها وشواهدها. بالمناسبة، دائمًا ما أشعر بأن في داخلي شخصية مخرج سنمائي، يقرب العدسة على أدق التفاصيل التي تحقق هذا المعنى في الملامح والتعابير العابرة، في تفاصيل المكان والشبابيك والضوء والأرصفة والستائر، في أطراف الطبيعة وصمتها الناطق. ونتيجةً لذلك أقوم بإيقاف اللقطة حين مشاهدة تلك الأعمال، وأعيدها، وأتاملها،وأحيانًا أوثقها وأحتفظ بها، فأمتلئ بشعور مختلف يتلبس شعور المخرج تمامًا وهو يقف خلف العدسة ليقرر هل هو راضٍ عن آداء هذا المشهد؟ هل وصله الشعور كاملًا كما يحسّه؟ هل تلقى رسالته بعنفوان المعاني والحس الإنساني؟ هكذا أًشاهد. آخر ما شاهدت من تلك الأعمال قبل أسبوعين تقريبًا هو فيلم قديم، لكنني شاهدته لأول مرة، وأظنني سأعتمد مشاهدة الأفلام القديمة الأصيلة وإن كانت بإخراج لا يُقارن بجودة إخراج الوقت الحالي، لكنها تنافس إنتاج اليوم في دقة صياغته وجودة معناه وعمق رسالته، حتى الإنتاج التصويري الركيك والأصوات المشوشة أو الإخراج في مستواه الأولي يرضي ذائقتي وي...

رويدًا باتجاه الأرض

صورة
كنتُ في زيارة للبحر هربًا من غرق اليابسة وروتين ركض المدينة، كنت أحس بحاجتي للساحل لإعادة تشكيل طينتي النفسية، ورويّتي الحياتيّة، كمحاولة لاستعادة الأنا من أنانيّة المهنة وقائمة التزامات لا تفتأ تستطيل وتتفرع وتلتف حولي حتى بدأت أنساني وأفقد إنساني. أمام البحر مارستُ طقوس طفولتي، انغمرتُ في الماء، وحملتُ الطين في كفّي، جمعتُ الأصداف، وركضت بقبعة القش على جانب الشاطئ بخطوة في الهواء وأخرى باغتتني بانغراسها في الطين والماء، داعبتُ الغروب بأغنية فلحقتني الشمس، واستحال غروبها إشراقًا فيّ، رافقتُ أناس أحبهم وضحكت حدّ التبلل بالدموع، بتّ بمسكن على الساحل واختليت بأحزاني حتى غادرتني بالدموع كذلك. في اليوم الأخير اغتنمتُ سويعات ما قبل العودة لزيارة مكان أحبه تربطني به ذكريات حنونة ولحظات خاصة من الدهشة والإلهام، مركز إثراء. كان الوقت صباحًا وكان الهدوء طاغيًا. لم يكن هناك تخطيط سوى زيارة متحف للحِرَف اليدويّة ثم الاختلاء بكتاب قيد الصدفة في المكتبة. وفعلًا بعد انتهاء جولة المتحف الفريدة والتي أخذتني لفرصة التعرف على أسرار مخطوطات أثريّة وتحف فنيّة وزيارة ركن الروشن الحجازي الذي تتخلله الإض...

فضائل الأمور البسيطة

صورة
في معرض الكتاب الماضي أثناء تجولي بين الدور قمت بالتوجه إلى دار تشكيل وتقليب نظري بين الكتب، لفتني كتاب بعنوان فضائل الأمور البسيطة وبمجرد أن لاحظني مسؤول المبيعات حمل الكتاب في يده وبدأ بتعريفه لي وبمحتواه الذي أثار فضولي كونه يعزز فكرة تبسيط حياتنا المعقدة ويلفت انتباهنا إلى استشعار الأمور البسيطة وفضائلها، فاقتنيته وقرأته. التدوينة ليست مراجعة للكتاب، بل مراجعة للحياة من منظور سطوره. تستعرض مؤلفة الكتاب مارينا زويلين الحياة كخلاصة لتجاربها المجتمعية والفلسفية وتطرحها بتساؤل: لماذا يرتاب البعض من good-enough life (الحياة الجيدة بالقدر الكافي) ؟ أو الحياة المعتدلة أو القائمة على الوسطية، هل لأنهم يعتقدون بأنها عبارة عن الرضا بالقليل والقناعة بأبسط الحقوق؟ وقد نفت ذلك مباشرة وأصابت في التعريف الصحيح لتلك الحياة الطيبة: "الحياة الجيدة بالقدر الكافي لا تتعلق بخفض سقف طموحاتك أو بتقديمك مجموعة من التنازلات إلى حد يحبطك، بل تتعلق باختلاف نظرتك إلى الآخرين، وإعطائك المزيد من الاهتمام لما يكمن خلف مجموعة الإنجازات اللافتة." وأظنها ترمي إلى أن الاكتفاء في هذه الحياة المعتدلة لا ي...

استلهامات عن القوة – من وحي فتاة رقيقة

صورة
كم أحب نهار السبت، الوقت الفاصل بين نهاية الأسبوع وبدايته، بين اجتماعات العائلة واجتماعات العمل، المحطة التي أقف فيها على حافة الحياة وأستنشق حياتي، دائمًا ما أقضي لحظات نهار السبت برفقة طبق محبب كالخبز الفرنسي مع الفراولة والتوت والقهوة السوداء، أو الخبز المحمّص مع مزيج اللبنة بالفلفل الملون والنعناع والزعتر والشاي الإنجليزي، وقراءة أسبوعية لكتاب مطوّل. نهار سبت اليوم فضلت قضاءه هنا في مدوّنتي، أكتب عن ما يثير فضولي نحوي ونحو ما استجد من مدارك محطات العيش. الإدراك الذي أثار فضولي مؤخرًا هو اكتساب القوة، كيف اكتسبتُ القوة؟ رغم أنوثتي كفتاة من جانب ومن جانب آخر شخصيتي الرقيقة والمتعاطفة والمتعلقة بأسباب الأمان والضمانات الحياتيّة. وبالعودة إلى العهد الذي كنته، حين كنت متذبذبة تجاه معاني القوة، أتذكر كم تأذيت من فكرة الضعف، فكرة اللجوء إلى القوة بدل التحلّي بها، عدت إلى تلك المرحلة من خلال دفتر قديم اعتدت تدوين محطات حياتي المهمة فيه ببنود عريضة غدت كمرجع للتأمل والتفكر في سيري خطوة خطوة نحو الحياة الطيبة. في صفحة تعود لعام 2019 كتبت فيها (بالمناسبة كان يوم سبت كذلك حينها ^^) فضفضات ...