السبت، 19 سبتمبر 2020

كم يحيينا الموت















اليوم شعرت برغبة جامحة للكتابة، لكنها رغبة هادئة في نفس الوقت، كهدوء نفسي في هذه الساعات المتأخرة من الليل بعد أيام مضطربة. كانت أيام متتابعة وكان القلق فيها متتابعًا، كموج البحر الذي يعلو ويهيج ثم يهبط ويسترخي، لكنه في تتابع. انتهت تلك الأيام بوفاة خالتي الحبيبة رحمها الله مساء يوم الخميس لتبدأ الذاكرة باسترجاع اللحظات الأخيرة ووضع نقطة فاصلة لها لاستيعاب ما بعدها من أحداث ومشاعر. نعم إنها المشاعر، مناط الحديث وجوهر الأحداث، مشاعر الصدمات والآلام والدمعات المحبوسة في أشد اللحظات والمنهمرة في أرقّها حساسيّة، مشاعر الأحضان العميقة التي نود فيها أن نتبادل النبض وأن يجود كل منّا بمضخّة كافية وشافية للآخر كي يكون بخير. مشاعر فرش أذرعنا كي يستلقي عليها من لا يملكون القوة حينها ليعيشوا اللحظات الصعبة، مشاعر تمتمات الآيات الهامسة فوق رؤوسهم المنهكة. كانت الليلة الأولى أشبه بالمخاض، لنولَد في الصباح. ففي صباح يوم الجمعة، استيقظت المشاعر المحزونة مجدّدًا ممزوجة بشعور الآزفة ودنو الرحيل الحقيقي ببدء مراسم الغسل والدفن، كانت أشبه بالخروج من عنق زجاجة. هرعت للصلاة، وأتذكَر جيّدًا كيف كان يفعل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حين يحزبه أمر، أي يشتد عليه أمر، كان يهرع للصلاة، الصلاة فقط. يقف فيها أمام مدبّر الأمر، ليسلّمه الأمر، وينشغل بالتلاوة والتسبيح بين الركعات والسجدات. إنّها معجزة الملمّات. كانت هذه الطريقة النبيلة في احتضان زفرات المشاعر الفارّة إلى اللا شيء، ولتوجيه كل فكرة شاردة إلى وجهة واحدة، فانزاح حمل كبير من الوهن، لتحلّ القوّة في موضعه. والحمد لله، لم يمضي وقتٌ طويل حتى بدأت تتوافد إلي أخبار مطمئنة بل أخبار مبشّرة بأن خالتي ترفع السبّابة رغم محاولة قبض أصابعها، والابتسامة ترتسم على وجهها، تلك الابتسامة الدقيقة في إيصال رسالة الفرح الأخروي. حيث كانت كمن تم التقاط صورة له لحظة دهشة مفرحة أو خبر سعيد، هكذا تمامًا. لا أنسى لحظتها كيف شعرت باخضرار قلبي، وانشراح صدري، وسرور نفسي، بت أرى نوافذ بيتنا أكثر اتساعًا، ونور الشمس المشع منها في صباح يوم الجمعة المبارك أكثر ضياءًا، وأبخرة العود التي نعتاد إيقادها في كل جمعة أكثر بهاءًا وطيبًا. كان الشعور كصبيحة العيد، مع ثياب أهلي البيضاء وهم يتأهبون للخروج للصلاة. وقد تزامن ما نمر به بخطبة الجمعة المواسية للروح وحديث الخطيب عن الدنيا.



وحين اجتمع شملنا مع أقاربنا في المساء للعزاء كانت الوجوه تختلف عمّا كانت عليه بالأمس، كل شيء مختلف، المشاعر، القلوب، السكينة، الرغبة في الحديث بدل الرغبة في النواح أو البكاء، وغيرها من الألطاف الإلهية. كانت الأحداث دعوة للتفكّر من حيث لا أحتسب، تفكّرت في الحقيقة في جل هذه المواقف، تفكّرت في الرحيل، في الفقد، في قبضة الموت الخانقة التي تفضي بنا للحياة، أجل، كم يحيينا الموت! كم يحيينا الموت حين يوقظ فينا حقيقة ضبابيّة من المفترض أن تكون ناصعة وبهيّة، وهي حقيقة العيش دون تعلّق يفضي بنا إلى الخوف، الخوف من الفقد، الخوف من المرض، الخوف من الخوف نفسه، والرغبة في استبقاء كل البقاء، وكراهية الفناء. فالرغبة في جعل الحياة على أكمل وجه هو أسوأ ما قد نقترفه، والتخفف من ذلك هو أفضل ما نقدّمه لأرواحنا. لأن الحياة لن تكون كذلك، كما أن تلك الرغبة ستشعرنا بالخوف من أي شيء يكدّر صفو تلك الحياة. لقد أحيت فيني مشاعر الفقد الأخيرة إدراك مختلف للحظات الصعبة، وللوعة الحزن، ورهبة ترقّب الأقدار، ونار الانتظار. الإدراك الذي سطع في روحي تمثّل في أن العبور في لحظات الوجع لا يجدر به أن يمتزج بالجزع، فمن حقنا أن نخاف، لكن ليس من حقنا أن نجعل ذلك الخوف هو من يحكم سلوكنا وردة فعلنا. الإدراك الذي آمنت به أكثر هو أن الله أكبر، وأن القوة التي نتمنّاها في هذه اللحظات الصعبة تكمن في الاعتراف أمام ربنا بالضعف، فهو القويّ. ولا مناص من ذلك إلا بالبراءة من حولنا وقوتنا إلى حوله وقوّته. أتعجّب من تبدّل الأحوال بعد فترة عصيبة وطويلة، وبين تقلّب القلوب بين مساء الخميس وصباح الجمعة، وبين تلك اللحظات القلقة قبل الصلاة وبعدها، فالأفكار والمخاوف لم تتغير بعد، لكن القلب اطمأن! وهذا هو العجب. فلا ظلمة ستبقيك في كهوفها، ولا حزن سوف يضمك في جعبته، لأنه وباختصار أنت وُجدت في تلك الصعوبات لكي تعبر، تعبر فقط، فتستعين بعبورك في تلك الأيام الوجلة والمظلمة بنور الله، والحوقلة والاتكاء على الرجاء، لتُفرج بأسباب أنت لا تستوعبها. ربما تبدو كلماتي غير منتظمة أو منمّقة، لكن الشعور حاضر، وهذا يكفي لإيماني التام بصدق ما أكتب في الساعة الثالثة فجرًا. ولا أنسى جملة إحدى قريباتي اليوم حين قالت، الرحالون ببشارات حسنة قد رحمهم الله، نحن من يحتاج رحمة الله بعدهم. فعلًا، وها نحن ندرك تلك الرحمة بأعمق الإدراك، فنراها في معيّته الله وإحالة أعسر اللحظات إلى أيسرها، وأقسى الأقدار إلى أخيرها، وأفظع الفقد إلى رضا تام وابتسامة اطمئنان. عجيبة هي الحياة فعلاً في طريقتها الخاصّة لإيقاظنا، وكأنها تقول: لا تتعجبوا من أكداري وأقذاري، بل تفكّروا في أقداري، ولا تكرهوني بسبب الموت، فالله خلقني هكذا، لكي تعبروني مرّة، وتعيشونني بالإيمان ألف مرّة.



الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020

المرأة من منظور "زمّليني"

 

ثمة شؤون نظنها يسيرة وصغيرة لكنها بعمقها تفتّق فينا معانٍ كبيرة. في إحدى لحظات التأمّل في كلمات لامستني عن المرأة، تأمّلت كم تعني المرأة لي قبل أن تعني لأي شخص آخر، ليس لكوني امرأة، بل لكوني شخص نظر إلى المرأة في تلك اللحظات من منظور إدراكي شديد العمق والحساسيّة.

فنحن كأشخاص سواء كنا ذكورًا أم إناثًا نشأنا بجِبِلّة (فطرة أو خِلقة) شعوريّة وإدراكيّة تربطنا بالمرأة، كجبلّة الشخص تجاه أمّه، أو أخته، أو زوجته أو ابنته. فننشأ وفق تلك الفطرة الشعوريّة ونتصرّف تجاه تلك المرأة بمختلف روابطنا بها كما تمليه علينا تلك المشاعر الفطرية. وغالبًا ما تكون أنماط تلك التصرّفات الفطرية أو العلاقات بين الأشخاص والمرأة بمختلف رابطتهم بها متقاربة ومتشابهة ومتعارف عليها. في حين أن من ينظرون إلى المرأة من منظور أعمق إدراكيًّا وشعوريًّا سيتصرّفون تجاهها بعلاقة أسمى، وستربطهم بالمرأة علاقة ذات مستوى أعلى من حيث الإيمان بمكانتها وقدراتها وقيمها.


إدراك عمق "المرأة":

لا أشير في هذا السياق إلى نظرة المرأة لذاتها وإدراكها واحترامها لمكانتها قبل الاعتبار بنظرة الآخرين، فهذا الجانب بالذات له محط اهتمام عظيم وهو أصل بناء علاقتها بمن حولها. لكن تأمّلي هنا تحديدًا هو في عمق إيمان الرجل بالمرأة، المرأة الناضجة. وأعني بالإيمان ذلك اليقين العميق النابع منه تجاهها لدرجة تغلغل هذا الإيمان من الرجل إلى المرأة نفسها ليخلق منها امرأة تؤمن بذاتها أكثر، تثق بها أكثر، تتقوّى بها أكثر، لتقوّي ذلك الرجل وتؤمن وتثق به في النهاية. هي ليست علاقة تبادليّة وتلقائيّة بقدر كونها تدريجيّة، تبدأ بإدراك الرجل لنفاسة معدن المرأة، وصونه له، لتواجه المرأة بذلك الصون حرارة الحياة، فتذيب معدنها في سبيل بث حنانها ودفئها، وتشكّل به سياج المَنَعَة، وتنيره بقناديل الوضوح والثقة، وتطوّقه بمفاتيح الإخلاص. حين يمتلك الرجل ذلك الإيمان وتلك النظرة تجاه المرأة فسيرى المرأة بعين ثالثة، ليدرك بأن وراء عاطفتها رغبة في التفهّم، ووراء أنوثتها رغبة في الأمان، ووراء عنفوانها رغبة في الثقة. وحين يراها بتلك العين، سيتصرّف تجاهها بذلك المستوى الأسمى قيمًا وأخلاقًا كما ذكرت آنفا.

إن إعطاء المرأة ذلك اليقين بمكانتها، أو لن أقول إعطاء (كونها تمتلك هذه المكانة بفطرتها) بل لنقل إن الاعتراف بتلك المكانة بصدق لا من دافع إجبار أو ضعف أو استفزاز هو ما يُحدث الفارق الحقيقي في العلاقة. والإشارات التي تدعو إلى ذلك من حولنا أكثر من أن تُحصى، أقربها ذلك السرد القرآني الذي ينسب البيوت للنساء في كثير من الآيات "بيوتهن" برغم عدم ملكيّتها للبيت على كل حال، وبرغم تعدد المواضع في هذا الجانب سواء موضع القصص أو حقوق النكاح أو الطلاق، إلا أن ضمير الملكية ثابتًا جليًّا في كل آية وفي كل أحوال المرأة. وأعتقد (كوني لم أبحر في التفاسير) أن الرسالة تكمن في الإشادة والتقدير والدعوة للاعتراف بمكانة ذلك الكائن اللطيف والقوي في آن. لأنها تثبت مكانة المرأة لدرجة أن البيت قائم عليها بمن فيه من أسرة وشؤون. وأن نسبة البيت لها قد تعني أن قدراتها تفوق التصوّر المحدود كونها مجرّد أنثى ضعيفة بالكاد ترعى شؤونها، بل هي المخلوق الذي أبدع الله فيه العاطفة والصرامة والقوة واللين وبعد النظر في التعامل الاجتماعي مع الطفل الصغير والرجل الكبير وغيرها.

فالمرأة أعمق مما يظن السطحيّون، والتي لا يدرك عمقها إلا الغوّاصون الماهرون. فمن يضعون في قرارتهم ذلك المعنى، سينعكس في احترامهم لها وعدم الاستخفاف بعاطفتها أو الإمساك بها من اليد التي تؤلمها باستلطافها ثم باستعطافها ثم بليّها. و الأجمل ممن يدركون عمق المرأة هم الذين يشيدون بذلك الإدراك ويعكسونه للمجتمع بالتعبير بالكلمة والمعنى الصادق وبث ذلك المبدأ والمفهوم للآخرين خاصة إن كان صادرًا من رجل، كون المرأة تنتصر للمرأة بديهيًّا، لكن حينما يفعلها الرجل مع ابنته أو زوجته  سيكون التأثير أكبر. كما فعل ذلك الرجل الذي لمس عمق امرأة، فعبّر عنه بطريقته.

 

بو كلثوم:

هنا أفصح عن لحظة التأثر التي ذكرتها في البدء، والتي استثارت الشعور وحرّكت دوافع التأمّل والتوقف حيال هذا المعنى. وهي اللحظات التي قضيتها أثناء استماعي لكلمات عمل "زمّلوا". العمل هو لفنّان سوري يُدعى "بو كلثوم". وهو فنّان يمارس فن الراب بلغة عربيّة وبلهجة شاميّة لإيصال رسائله. في الحقيقة لا أملك خلفية واضحة عن بو كلثوم أو عن توجّهه الفكري، لذلك أنوّه على أنني أشير لعمل "زمّلوا" بحد ذاته لا لشيء آخر وبغض النظر عن أي رسائل أو إشارات فكرية لم أدركها في هذا العمل كذلك. يقول بو كلثوم أنه مر في حياته بمواقف لمس فيها عمق امرأة ما وكان يشعر تجاهها بالامتنان، مما دعاه لإهدائها هذا العمل. حيث أنه كتب كلماته بشعور صادق تجاهها لا بدافع إنتاج عمل فني وحسب.

حين استمعت للعمل لأوّل مرّة أثار عجبي كوني لم أفهم بعض كلمات اللهجة الشاميّة، فضلًا عن نمط فن الراب الذي يجعل الجمل كالكلمات المتقطعة، لكنه لامس شعوري. وحين قمت بتصفّح التعليقات وجدت إحدى المعلّقات تدعى ماريا رباب قامت بشرح الكلمات بإبداع وتقريب المعنى بشكل أثر بي أيّما تأثير، حينها أعدت الاستماع فكان وقع الشعور أكبر. أظن بل أجزم بأن العمل الذي ينبع من الداخل وبصدق، ستكون سمته التأثير الإيجابي والحقيقي. أترككم مع "زمّلوا" مرفق بالكلمات لعدم إلزام الاستماع:

للاستماع (اضغط هنا)

زمّلوني زمّلوا و طفّي بردي يا بو حور

زمَّلوني و زمَّلوه و على صدري حمّلوه

يكفّي يوحي عكفّي روحي كفّنوني يالعيون

حنى طيني بكفّو ليني يعلم القاسي الحنو

سند أنثى بألف رجال تبني بضهرو سدود

ربينا عسود الدور تضوي سمانا نجوم

لما تطغى براسي نفسي و تبدا تنهشني الوحوش

غيرك عنهن ما بحوش

 فبخوفهن فيكي

***

ما علمونا ما علموا أنو بلاها بترجعوا

أنقص كيان مو بس ضلع اللي انسند عنها وقع

قومي يا طوفان الروى علمي العطاشى ترتوى

عمّروا فيه عمّروا جيل و أعطوا عمر للما روى

ما بخافوا الدم ولا بهابوا الموت

بس بخافوا اللي بيحب يطلعلو صوت

فبخوفهن فيكي

بيكبروا فيكي

بعلمهن فيكي..


تنظر ماريا رباب للكلمات باعتبارها موجهة من زوج إلى زوجته، لتسقط رسائل العمل في منبع الأمومة والتربية، لكن العمل في الحقيقة يحمل معانٍ أوسع من شرحها الجميل، لكنني أحببت طرحه كونها أبدعت في إبراز معاني إنسانيّة تستحق النقل: 


المقطع الاول:

زملوني زملوا طفي بردي يا بحور (على حد علمي هذه الجملة جاءت على لسان حامل وضعت مولودها، و المقصود بـ(زملوني) يعني قوموا بتغطيتي و زملوه تقصد مولودها، أما الشطر الثاني فلم افهمه جيدا)

زملوني و زملوه على صدري حملوه ( هنا تلك الام تأمرهم أن يضعوا مولودها فوق صدرها لكي يتعرف على والدته)

المقطع الثاني:

يكفّي يوحي عكفّي روحي كفّنوني يالعيون| حنى طيني بكفّو ليني يعلم القاسي الحنو

(هذا المقطع يصف الحبيبة و كيف تمثل السند العاطفي لشريكها )

سند أنثى بألف رجال تبني بظهره سدود | ربينا عسود الدور تضوي سمانا نجوم

( هنا يستعرض دور المرأة بشكل عام في بناء الأجيال و المجتمعات، إذا صلحت صلح المجتمع و إذا فسدت فسد المجتمع)

المقطع الثالث:

لما تطغى براسي نفسي و تبدا تنهشني الوحوش | غيرك عنهم ما بحوش

( يأتي على لسان الزوج هذا المقطع، بحيث عندما يكون في حالة نفسية مزرية و سيئة للغاية يبحث في زوجته عن ذاك الملاذ النفسي و تلك الراحة والطمأنينة )

فبخوفهن فيكي

(هنا الزوج يقصد زوجته بأنها صارمة في تربية أبنائه)

ما علمونا ما علموا أنو بلاها بترجعوا

(يقصد هنا المغني بأنه لم يتم تلقينهم في المدارس بأن غياب دور المرأة في المجتمع يسبب تخلف و رجعية هذا الأخير )

أنقص كيان مو بس ضلع إلي انسند عنها وقع

(يقصد المغني تلك الفئة التي تلقب المرأة بأنها فقط ضلع من جسد آدم عليه السلام و ليس لها دور أو وجود يذكر بل يؤكد على أنها كيان كامل و غيابها يسبب انهيار المجتمع )

قومي ياطوفان الروى علمي العطشى ترتوى | عمروا في عمروا جيل و اعطوا عمر للما روى

( هنا المغني يشجع المرأة على النهوض و بناء المجتمعات من خلال التربية على المبادئ و القيم و النهل من وادي الحب و العطف خاصتها)

ما بيخافو الدم لا بيهابو الموت بس بيخافوا اللي بحب يطلعوا صوت

( هنا يقصد المغني تلك الجماعات التي تسعى الى قمع صوت المرأة كونها مربية للأجيال التي يخافون يوما ان تقوم عليهم لتطالب بحقوقها.

المقطع الرابع:

فبخوفهن فيكي،يكبروا فيكي،بعلمهن فيكي

(على لسان الزوج مرة أخرى،حيث يحث زوجته على أن تكون صارمة و حنونة في نفس الوقت أثناء تربيتها لأبناءها حتى تكون نشأتهم مبنية على قيم الحب والإحترام لوالدتهم بصفة خاصة و للنساء بصفة عامة)


"زمّليني":

لامستني الكلمات كثيرًا، وكون الدافع الأول لكتابتي الأدبية هو استلهام الشعور ووصفه، دفعني الشعور النابع من كلمات العمل لصياغته بسردي الأدبي وبالفصحى، بعيدًا عن الإسقاط الحرفي لكل جملة. لكن لتقريب المعنى بأسلوب شخصي كما تلقيته من وحي تأثري.

{زمّليني، زمّليني، ودثّري بحكمتكِ أعاصير اندفاعي، يا حور عيني، وهذّبي روحي واغمريني، بجفون عينيكِ كفّنيني. اسقي بلينكِ طيني، وعلّمي القاسيَ فيني الحنانَ..علّميني. وكوني ليَ السندَ، عن ألف جنديٍّ، وقفي خلف ظهري، واسنديني. فأسقف داريَ السوداء، تغدو بنوركِ أنجمًا وقناديلَ تهديني. ولستُ رهينةً للضعف لكنّي.. أرى فيكي أماني وزمامي حين تُنهَشُ روحي من وحوشي، فتذودينَ عنّي هواجسَ تعتريني. فأخوّف خوفي بكِ، وأخوّف من يدّعي أنّكِ سِلْمٌ، وأنتِ كلّ سلاحي .. وخوذتي وجبيني.

فكلّ عصابةٍ ضدّ طهركِ جوعى، وكلّ مسيرةٍ دون ركبكِ رجعى، والحقّ يثبتُ حجّتي ويقيني. فنحن بكِ أجزاءٌ مكمّلةٌ..والجزءُ ليس بنقصانٍ بكِ، فكيانكِ من أضلعي لتكمّلني. لا تحزني.. ولإن حزنتي فاجعلي، مدرار دمعكِ قوّةً، طوفانَ يروي مدمعي. ثم انهضي وتجلّدي، جيلًا فجيلًا تُنجبي، فتعمّري، فتحرّرّي. لا تُهزمي، لا تصمتي، فالصوتُ منكِ مُجلجلٌ ومدوّيٌ، يخشى الضعاف دويّه، كالمدفعِ. فبكِ أخوّف من خوّفوكِ، وبكِ يكبر مَن صغّروكِ، وبكِ أعلّمُ من جهلوكِ.. صدّقيني..واصدقني دفئكِ..وزمّليني.. زمّليني.}

لا أعلم هل وُفّقت في سرد المعنى العميق الذي خالجني، لكنني أعتقد أننا يمكننا الآن النظر إلى المرأة من منظور المعاني في كلمات "زمّلوا" أو كلماتي في "زمّليني". فكيف تبدو المرأة حينها؟ أترها ستبدو المرأة التي تخشى أن يخشاها أقرب الناس إليها؟ لأنّه يظنّ بأنّها تنازعه القوّة أو الرغبة في الانتصار؟ أم أنها تبدو تلك المرأة التي تخطو خطوة نهضة، فتنظر إلى ذلك الذي يؤمن بها، فتُتبعها بعشر، فينتصر لنفسه بها، وتنتصر به لنفسها!


الثلاثاء، 18 أغسطس 2020

القدرة على تذوّق الجمَال

 













حين كنتُ طفلة، كُنت مولعة بالجمال بأدق تفاصيله، وبطبيعتنا كأطفال سوف نلحظ جماليّات في التفاصيل من حولنا ونعيش معها بأسلوب انسيابي لا يتعارض مع واقع المادّة والمنطق من حولنا، كوننا لم نحمل بعد مسؤوليّات ذلك الواقع. وحين كبرتُ وخضت بطبيعتي البشريّة تحدّيات الواقع، لحظت بأن العيش في الواقع بواقعيّة بحته جعلني أنخرط في مبادئ لا واقعيّة، بمعنى، أنّني بت أحاول تشكيل أسلوب عيشي في قوالب مصمّمة بإحكام لتماشي الواقع ولتطابقه وفق منطقيّة عالية. فعلى سبيل المثال، قد لا نرى في بعض الممارسات الفنّية جماليّات عميقة من شأنها أن تأخذ منحى أسلوب حياة بدلًا من اتخاذها كأداة متعة وقت الفراغ لنتجه إلى ملئ أوقاتنا بما هو أهم في نظرنا، كممارسة ما ينتزع من روحنا روحها فقط في سبيل منطقيّته ونفعه المادّي. أو بمعنى آخر، قد ننظر إلى الواقع والأحداث والروتين العملي الذي نعايشه بصورة ثابتة تضع ذلك الواقع والمنطق في المقام الأوّل وما سواه من استشعار جمالي تأمّلي في ذلك الواقع أو إسقاط حسّي كأمر ثانوي أو زائد أو غير ضروري.

ومع مرور الوقت، ستحيلنا تلك المنطقيّة القاسية إلى الفراغ، أو الامتلاء المجوّف، فطغيان المنطق في تفاصيل الحياة والعلاقات والحوارات وتعاطينا مع الفرص والأمنيات والتحدّيات منهك أشد الإنهاك، والعيش بهذا الأسلوب يحجب عنّا الجانب الآخر من العالم الواقعي نفسه. فالواقع بالرغم من طبيعته المجبولة على الكبد أو الصعوبة أو الصراعات يحمل في طيّاته جماليات، تلك الجماليّات تختبئ خلف المنطق والمادّة والقانون، وتكمن في الحس والشعور والعاطفة والكلمة واللحن والنبرة واللون والصورة. فهي لا تُرى بعين المنطق، بل بوتر الإحساس والنبش خلف التفاصيل. ووجودها الضمني العميق لا يعني عدم وجودها كما يظن البعض ممن يغرقون في الواقع وينادون بنا أن اصحوا من خيالاتكم واستيقظوا من سباتكم! فالجماليّات ليست خيال أو مُحال، الجماليّات موجودة فعلًا لكن ككائنات هلاميّة تحيط بنا، وبمجرّد إدراكنا لها ومحاولة المساس بها حسّيًّا، سوف تتمدد وتغمرنا، فنشعر بها ونتذوّقها.


الله جميل يحب الجمال:

في الفترة الأخيرة صادفت هذا المعنى في مواقف مختلفة لكن برسائل مكرّرة حول الجماليّات الحياتيّة والقدرة على تذوّقها، بالرغم من أنّني أكتب في صفحة معرّفي على الانستقرام منذ سنوات "مدوّنة، قارئة، متذوّقة للجمال" لكنني لم أكن أحيط بعمق وحجم مصطلح تذوّق الجمال، فهذا المصطلح الذي فهمته أكثر فأكثر في الفترة الأخيرة جعلني أقدّر هذه الميزة أو لنقل "القدرة" على إدراك الجمال والإحساس به سواء أكانت قدرة فطريّة أو مُكتسبة.

أحد تلك المواقف كان بالتفكّر في معنى {إن الله جميل، يحب الجمال}. فإن كان الخالق سبحانه الذي فطر الكون يتصف بالجمال، ويحب الجمال، فكيف لا ندرك نحن (البشريّة التي ذرأها الله في هذا الكون) كوامن هذا الجمال الموجود فعليًّا. وما أوضح هذا المعنى في تعايشات الناس المتفاوتة أثناء معضلة العزلة الجبريّة التي اضطرت لها البشرية في هذا العام، فلجأت إلى خلق الجمال من كوامن الصمت أو الوحدة أو البعد أو السأم، بل خلق حياة جديدة تتفجّر بالجماليّات، كمن قاموا بابتكار أعمال أدبيّة، أو فنّية، أو علمية، أو حتى مَن تمكّنوا من رؤية الجمال في أنفسهم من دون قيَم مضافة من الخارج في هذه الفترة الصعبة، فكل هؤلاء وبالرغم من قبوعهم في واقع ومنطق مؤلم وثقيل على النفس تمكّنوا من إدراك الجمال. وهنا تكمن القدرة على تذوّق الجمال.

ويمكننا في المقابل تمييز من لا يدركون للجمال وجود، ويظلون ينتظرون كل العمر موعد صفاء الواقع واعتداله وخلوّه من القبح، حتى يفنى العمر، فلا هم الذين قد رضوا عن واقعهم ولا هم الذين قد رضوا عن أنفسهم. وحسبنا من هذه الحقيقة البيت الشهير القائل: طُبعتْ على كدرٍ وأنت تريدها ** صفواً من الأقذاء والأكدار". وأرى بأن شعورك بالسعادة بجملة صباح الخير أو بكلمة شكرًا، وتناغمك مع رقّة الزهر وعذوبة الشعر، وإدراكك للطافة القرب أو الابتعاد والود أو العتاب، والائتلاف بوجود الاختلاف هو من أعظم النعم التي ستبقيك راضيًا عن الحياة.


التربية على تذوّق الجمال:











أحد المواقف التي صادفت فيها معنى تذوّق الجمال كذلك كانت قراءة مجلة (القافلة)، لأعثر فيها على مقال رائع لثناء عطوي بعنوان "التربية على تذوّق الجمال"، والذي حفّز فيني رغبة التدوين عن هذا الموضوع. المقال يتناول تعريف الجمال وتذوّقه وكيف لنا أن نربّي أنفسنا وأجيالنا على هذا الحس لجعله أسلوب حياة. تقول ثناء في مقالها:

" حولنا كثير من الجَمَال الذي يستحق انتباهنا، لكن أن يتربَّى المرء على رؤية الجَمَال، وعلى إشباع النهم المُطلق للعين، وأن يتعلَّم منذ الصغر شفرة بصرية تحدّد ما هو جدير بالبصر والنظر على حد سواء، فذلك يعني مسألة تقع في صلب التربية على تلقّي الجماليات، وعلى كيفية تأمّلنا للطريقة التي تظهر بها الأشياء، واستشعار حساسية خاصة بعيداً عن التأثّر بالأذواق العامة؛ إنّها أخلاقيات الرؤية، وإمعان في طبيعة التجربة الجمالية، التي تعلَّمنا أن ننبش في اللوحة والصورة والزيّ والوردة والطعام وحتى الأفكار والمفاهيم، بعينِ الدهشة."

"يعمل الجَمَال على تكثيف العالم ومضاعفته، هو يعلو على الواقع ويتجاوزه، بعيداً عن تدخل العقل والمنطق، ويحمل لنا متعاً غير معهودة، ولا متوقعة، بل “انتظاراً سرّياً”، أو شيئاً ما يشبه القشعريرة التي تسري في أنحاء الجسد، وتدفع الحماس إلى أعلى درجاته، وتفاجئ تطلّعاتنا المسبقة عن الشيء؛ إنّ “كل معرفة تبدأ بالدهشة” هذا ما يسرّ به أرسطو، والجَمَال هو الذي يعمّ كل ما نراه من دون أن يتجسَّد في شيءٍ معينٍ، ويحرِّر الإنسان من التعصب والكره والخوف."

 استمتعت جدًّا بقراءة المقال، فقد أبدعت ثناء في الإلمام بالمعنى من عدّة نواحي، ومن حسن الحظ أن المجلة توفّر مقالاتها بنسخة إلكترونية ووجدت المقال متوفّرًا (لقراءة المقال اضغط هنا). وأشد ما أثار إعجابي في المقال هو الربط بين معنى الجمال والصورة حين قالت:

" لقد كان دافع الناس لالتقاط الصور هو العثور على شيءٍ جميل، وقد لعبت الكاميرا دورًا ناجحًا في تجميل العالم، وصارت الصور الفوتوغرافية مقياساً للجَمَال أكثر من العالم نفسه. لقد تعلَّمنا أن ننظر إلى أنفسنا فوتوغرافياً، وأن نرى أنفسنا جذابين. فالصورة تخلق الجَمَال الذي نبحث عنه. وانطلاقاً من ذلك، فقد سجّل فوكس تالبوت اختراعه للصورة الفوتوغرافية في العام 1841م تحت اسم (Calotype) المشتقّة من الكلمة الإغريقية (Kalos) التي تعني “جميل”! "

هذا الربط بين الصورة والجمال أوحى إليّ بربط مواقف أخرى تأخذ الجمال في منحى آخر، ألا وهو منحى الصورة المجسّدة للجمال أو النموذج الجمالي، والذي يُحكَم عليه وفق معايير معيّنة، فمعنى الصورة والجمال يمكن استيعابه من جانبين. قد تكون الصورة مؤطَّرة (لها أطر) لتنبثق منها الجماليّات وتنتشر في أفق أوسع من تلك الأطر، وقد تكون الصورة مؤطِّرة (تضع أطر) للجمال نفسه لتشكيل محدوديّة الجمال. ومن هنا ظهرت الثورة على الجمال، ذلك الجمال المؤطّر بين أطر محدودة المعايير لتنأى كل البُعد عن الجمال الحقيقي والحسّي الذي ينعش كوامن الروح.


الثورة على الجمال:

إن أخذ الجمال من منظور محدود ذو أُطر ومعايير معيّنة يظلم الجمال ويطعنه في خاصرة المعنى التي يولد ويتجلّى من خلالها، ومن المؤسف أن وضع الجمال في معايير محدودة ونشر وتعميم وتأكيد تلك المعايير من شأنه أن يُحدث ثورة ممن لا يمتلكون هذه المعايير، كونهم يندّدون بظلم معايير وكوامن الجمال الأخرى التي يمتلكونها والتي قد لا تتفق مع معايير الفئة المقابلة وينادون بأن ذلك لا يعني عدم امتلاكهم للجمال، فلقد قلنا ونكرر القول، بأن خالق الكون قد وهبه الجمال ووهب كل من فيه جمالًا بصور ومعايير مختلفة. والمعنى يتجلّى بشكل كبير في معايير الجمال الجسدي الشائعة في عصرنا الحالي ومعايير الجمال الشكلي في المسكن والمأكل والمظهر! إن تلك الثورة التي يقيمها من يؤمنون بالجمال من ناحية عميقة لا شكليّة تتجسّد في مطالبات عدّة تتضمّن نقد المعايير السائدة وتأييد مبدأ رؤية الجمال من منظور شعوري وحسّي فردي بالدرجة الأولى وقائم على التجربة والاقتناع وإدراك كوامن النفس وما تحتاج إليه سواء في تحديد نمط مظهرها أو نمط وبيئة معيشتها أو حتى اختيارها لشريكها!

ومن أجمل المبادرات التي وثّقت هذا الاعتراض ونادت بمبدأ كسر معايير الجمال السائدة هي كلمة الجميلة بتول العنزي في منصة تيدكس تحت عنوان (هل نحن رهائن؟)، والتي انطلقت من رغبتها في الحديث عن طبيعتها البسيطة وامتلاكها للشفة الأرنبيّة (شق الشفة والحنك) والانتقال إلى موقف تعرضها للتنمر وأخيرًا الحديث عما دفع هؤلاء المتنمرون للتنمر عليه، أو ما دفعنا جميعًا للحكم بشكل تلقائي على كل فرد من حيث مستوى جماله، ثقافته، بل حتى ذوقه. حيث يكمن الدافع في قياسنا جماليّة الفرد حسب معايير الجمال السائدة (رغمًا عنا) مما جعلنا كالرهائن لتلك المعايير. تسلسل أفكار بتول في كلمتها ونبرتها وجديّة طرحها أوصلت الرسالة بشكل اقشعر له بدني.

مبادرة بتول مبادرة توعوية رائعة من شأنها أن تحدث التغيير للتريث وإعطاء كل فرد فرصتة لإثبات جماليّاته الكامنة بطريقته بدلًا من فرض معايير الجماليات الهشة عليه والتي قد تؤدي إلى رفضه مجتمعيًّا أو رفضه هو للمجتمع في حال تعارضه معها. وثمة مبادرات أخرى تنم عن رفض أشد قسوة كإنشاء الأحزاب والنوادي التي لا ترفض معايير الجمال السائدة وحسب بل ترفع الراية للقبح والأشخاص الغير جميلين (ولا أحب هذا المصطلح أبدًا، فأنا والله أرى في كل شخص جمال، نعم جمال حقيقي يجعلني أتأمّله، وليس مجاملة). 

وفي هذا السياق نجد أقرب مثال يجسّد هذا النوع من الثائرين هو نادي القبح (Club Dei Brutti) في بلدة بيوبكو الإيطالية. تقول مجلة القافلة في مقال " نادي القبح! لإنصاف جَمَال الروح" تجدونه (هنا) بأن هذا النادي أُنشئ في الأصل لتقديم خدمة التوفيق الزوجي لشابات البلدة العازبات اللواتي لم يكنَّ على مستوى معيَّن من الجَمَال، ومن ثم تطور للاحتفاء بالبشاعة بالمطلق. وبغض النظر عن ممارسات هذا النادي، ربما ننظر لهذه الفكرة بشيء من التعجب، لكن لا عجب في زمن طغى وتجبّر فيه المنادون بالأزياء والتجميل والمظاهر بغزارة طفحت بنفوس الرافضين الماقتين لهذا الاقتحام المتجاوز الحد. وبذكر الغزارة، أترككم مع مقال قصير وبديع للمدوّنة نورة المحسن تحت عنوان الجمال الغزير (تجدونه هنا).

إن لم نكن نمتلك القدرة على تذوق الجمال فطريًّا، فإنه بإمكاننا اكتسابها وممارستها يوميًّا. اترك لنفسك المجال، دعها تسبح في عالم الجمال، دع عينك تنظر أبعد مما تنظر إليه، وتشعر أبعد مما يشعر به جسدك من ألم أو لذّة أو نشوة. إن استوقفتك نظرة، فقف واستلهمها، وإن حبستك فكرة، فأمهلها وأنصت إليها، وإن وددت قول كلمة لطيفة فأطلقها، وإن كانت نفسك صامتة وسائمة فحدّثها، ومكّن كل شعور يخلق فيك معنى أسمى من المعنى المحدود ليفيض بك ويغمر السدود. حينها ستدرك جماليّات تضاهي في تفجرّها بداخلك كل تلك المادّة والواقع والحدود القانونيّة المحيطة بك. فالجماليّات الحياتيّة حق من حقوقك، أي أن لك الحق في إدراكها مهما كان العالم يحجبها عنك بظروفه أو صراعاته، ولك الحق في الاعتراف بها والعيش معها وممارستها اختيارًا أو اضرارًا، حين لا تجد في مأواك مأوى، أو في حزنك سلوى، ولك الحق أن تمارسها في طبيعتك وسكونك وطمأنينتك. ومن المؤسف ألا يُدرك الجمال إلا كنقيض للقبح، أو كمرادف للسائد، بينما لا يحتاج لإدراكه قبحًا ولا معايير، فقدرة تذوّق الجمال هي في كسر المألوف والتناغم مع الصمت والرقص في السكون والإيمان بالتغيير.


الثلاثاء، 11 أغسطس 2020

واحفظ الإنسان













إلى من نلجأ في مكان يكتظ بالزحام، من أين نستسقي ضمائر الإنسان، فالسماء لم تمطر منذ مدة، والأرض ترفع الضمائر في كل يوم للسماء ذاتها، ونحن نستجدي ممن بقوا أن يُبقوا على إنسانيّتهم في أمان. أين الملاذ الذي نستريح فيه من وعثاء الهلَكة الروحية، والمآسي الإنسانيّة، فالجوف مزدحمٌ بالحقيقة، والظاهر محاصرٌ بها، والسماء لم تمطر منذ مدّة حقيقةً بيضاء، تجلي ما نظنّه اليوم وهمًا من فرط هزليّته ليجري في مجرى النسيان. من للإنسان بعد الإنسان؟ ماذا بعد انتهاك حُرمته، ماذا بعد الحرب لأجل الحرب لا لأجل السلام، ماذا بعد أن يُغتال الضمير ويمشي كلٌّ منا كالضرير، فحدودنا الجغرافية تفصل صدورنا عن بعضها، وتقطّع أوصال عروقنا المعنويّة، لتظل الكلمة مخنوقة في الجو، وتصل إلى أحدهم في حالة احتضارٍ أقرب للنهاية، فتنتهي قبل أن تبث شعورها في أنفاسه. كم نحن بعيدون جدًّا بقدر اقترابنا جدًّا، كم نحن منغلقون، بقدر النوافذ المشرّعة، وكم نبدو مكترثين بقدر عدم اكتراثنا. فأقصى ما نتمنّاه هو ألا نُلام، كون الأمر لا يعنينا، فمجرد الخوض فيه قد يقصف أمانينا، ونسينا بأن تلك السماء التي تغطينا جميعًا تحتها هي ذات السماء، والشمس التي تشرق علينا هي ذات الشمس والقمر الذي نسمر تحت نوره هو ذات القمر، والأرض المستديرة التي تحتضننا هي ذات الأرض، والرب الذي خلقنا جميعًا هو الرب الواحد الأحد.

تغرب الشمس، وينزوي القمر، وتكفهر السماء، وتغفو الأرض، ونصحوا في ساعات متأخرة باحثين عن ملجأ نأوي إليه في حضرة تلك الطبيعة الخالدة للسبات، فلا نجد سوى نور الله. ذلك النور الذي إن بُسط في جوف أحدهم أحاله جنّة وسط الرماد، وضياءًا وسط العتمة، وطمأنينةً وسط الخوف، وسكينة وسط الصخب. فنوره لا يُطفأ، ورسلهُ لا يقطعون زياراتهم رغم كل الحجب التي نبصرها، وتلك التي لا نبصرها، ووحيه لا يُمنع، مهما نأت بنا الأرض، أو باعدت بيننا وبينه السماء.

أيّ الله، في تلك الأنوار اغمرنا، واشفي جراحاتنا وجراحات كل أنين تسمعه وقد لا نسمعه، ولمّ شعث نفير الأنفس التائهة، الباحثة عن أرواحها، واغسل الدماء بالماء، وأنطق الصمت بالدعاء، وهزّ الجمود بالرجاء، وأشعل بوحيك فينا سُرجَ السلامة، وكن لنا، لا علينا، فمن لضمائرنا إن خانتها ضمائرها، ومن لسرائرنا إن كُتمت في أسرارها، ومن لنا إن خلّي بيننا وبيننا، وضاعت كلماتنا في المدى، متشبّثةً بقطرات الندى، وأغصانِ الياسمين، وتغاريد العصافير، وأسوار البساتين. أنتَ الملاذ، وعليك جلّ الاعتماد، فقنا شر الزمان والمكان، واحفظ لنا الإنسان، واحفظ لنا الإنسان.


الخميس، 30 يوليو 2020

موعد مع السماء

يوم عرفة، وموعد مع السماء، وعسى أن نلج..

"اللهم سق إليّ من رحمتك ما يغنيني، وأنزل عليّ من بركاتك ما يكفيني، وادفع عني من النقم ما يؤذيني، واقذف في قلبي من خشيتك ومعرفتك ما يحييني، وأفض عليّ من نور هدايتك ما يقربني منك ويدنيني، وارزقني من اليقين ما تثبت به فؤادي وعافني ظاهرًا وباطنًا من كل ما يؤذيني يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، آمين"

الأربعاء، 29 يوليو 2020

طبيب الغلابة وثمن الإنسان



أثناء تصفحي لهاتفي مساء اليوم شاهدت خبر وفاة دكتور مصري يدعى محمد مشالي الملقّب بـ" طبيب الغلابة"، لم أعرفه مسبقًا لكن قصته استوقفتني وأدركت بعدها سبب انتشار خبر وفاته رحمه الله تعالى. دكتور محمد مشالي هو دكتور مصري، تخرج من كلية الطب ليعمل طبيبًا في الوحدات الريفيّة في مصر مؤمنًا بمبدأ "الطب مهنة إنسانيّة وليست تجارة". وكانت بدايات عطائه الإنساني ردة فعل لموقف تعرض له الدكتور مع طفل فقير. وهو طفل يعاني من داء السكري فضلًا عن الفقر المدقع الذي كانت تعانيه أسرته. ففي إحدى الأيام التي احتاج فيها هذا الطفل لحقنة الأونسولين وأعياه التعب، توجه لأمه مستغيثًا لتوفير حقنة له. لكن أمه لم تجد حيلة لأجل إغاثته لأنها باختصار لو اشترت له الحقنة سيموت إخوته جوعًا. فهرع الطفل لإحراق نفسه معترفًا لوالدته بأنه سيخلصها من حاجتها لصرفية دوائه. وكان الدكتور محمد هو الطبيب الذي استغاثت به الأسرة لإنقاذ الطفل من الحرق ولكن الطفل فارق الحياة في حضن الدكتور لأن قدر الموت كان أسرع من لهفة دكتور محمد لإحياء هذا الطفل. هذه الحادثة أثرت في الدكتور أيّما تأثير، وجعلته يصر على أن يشرّع أبواب عيادته وسط الأحياء الفقيرة ليكون قريبًا من الفقراء وملجأ للمساكين بجنيهات معدودة ابتدأت بخمسة جنيهات ووصلت إلى العشرة كحد أقصى أي ما يعادل ريالين فقط. تلك العيادة الضيقة والتي بالكاد تضم مكتب الطبيب وسريرًا جانبي، لكنها تتسع لكل قلب إنساني يجد فيها ملجأ ومأوى وسكن من أوجاعه الجسدية وأوجاعه المجتمعية التي تظل تهدده بسياط الطبقيّة والمادّة والمال.

    الدكتور محمد رحمه الله وسط عيادته 



توالت المقاطع التي تنقلت خلالها لأتعرف على هذا النموذج الإنساني العظيم، تغطيات العزاء والدفن وردود فعل الأهل والأقرباء وكل الناس الذين خالطوا الدكتور وطالتهم أيدي عطائه، ومقاطع مقابلاته المؤثرة جدًا. فدكتور محمد رحمه الله لم يكن يقبل إجراء مقابلات تعطّل روّاد عيادته من المرضى، وحتى إن أجرى مقابلاته، أراه يتحدث على عجالة وببراءة خالصة تنساب من بين شفتيه كطفل شديد الإخلاص عميق الإنسانية غزير الطيبة ترغم المذيع على التبسّم طواعية. ورغم حضور ذهنه في الإجابات وفصاحة ردوده إلا أنه كان عجولًا، لا يفضل إضاعة الوقت، لأن يومه كان كله للعيادة، ساعة بعد ساعة، مما أثار فضولي عن تلك الهمّة! هنا إحدى مقابلاته القصيرة..


أذهلتني همته في الحقيقة حتى مع تقدم سنة وبلوغ 76 سنة، همة عجيبة ومحط تفكّر، تلك الهمّة في نذر الحياة للإنسان، بل اعتبارها هي الحياة، كما عاشها الدكتور محمد الذي يعيد ويكرر في تصريحاته بأن حياته التي نذرها للعطاء الإنساني والفقراء هي حياة تشعره بالغنى، والعجب أنه يرى بأن الحياة أعطته أكثر مما يستحق كما يقول. وقد قصمني تأثّرًا حين استشهد في إحدى مقابلاته بمقولة "ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط"، مؤكدًا على مبدأه بأن البذل لأجل الإبقاء على حياة إنسان هو أهم من أي شيء آخر.

موت الإنسانيين خلود، وأي فعل إنساني سيُكتب له الخلود، فهنيئًا لهذا الطبيب الذي عالج مرضاه وعالج مفاهيمنا وأفكارنا المعطوبة حول الحياة والمهنة وقدر الفقراء قدرهم، وأثبت لنا بأن حب الفقراء رزق، كما ورد في الحديث الشريف الذي فيما معناه: "وأسألك حب المساكين". نعم، حب المساكين رزق، يرق به القلب، ويحث النفس على الجود والإخلاص، لدرجة رفض الدكتور محمد رحمه الله مبالغ جمّا في سبيل بقائه في هذه العيادة المتواضعة التي تحقق الفائدة وتلبّي الحاجة والمساعدة المرجوّه لفقراء الحيّ. وعزاؤنا في رحيل الدكتور محمد مشالي هو ذلك النبض الذي ضخّه في كل روح كانت لتصبح جثثًا تحت أنقاض الداء لأنها فقط لا تملك ثمن الدواء.

كم يحيينا الموت

اليوم شعرت برغبة جامحة للكتابة، لكنها رغبة هادئة في نفس الوقت، كهدوء نفسي في هذه الساعات المتأخرة من الليل بعد أيام مضطربة. كانت أيام متتابع...