الاثنين، 2 أغسطس 2021

العِـقد الثالث ~

 


عَقدي الماضي كان ثمينًا، ولم أجد ما أعبّر به تجاهه أثناء توديعه إلا بوصفه عِقدًا ثمينًا، نسجت فيه لآلئ نفيسة، كل لؤلؤة كانت نتاج رحلة غوص في أعماقي وأعماق الحياة وأسرارها، منها ما تعلّمت خلالها الغوص والإبحار بانسيابيّة، ومنها ما واجهت فيه الغرق، ومنها ما أدركني الاختناق، وحالفتني النجاة والعناية الإلهيّة. لم أشعر بطمأنينة حين شرعت بتوديع هذا العَقد من عمري وسنوات العشرين، واطمأننت لما هو أجمل من الوداع، وهو البقاء رغم المفارقة الزمانيّة، فدروس العشرين باقية فيّ، لأنها الأعظم والأبقى في نظري حتى الآن، لذا طوّقت جيد عمري بعِقد بهيّ، تصطفّ فيه كل لؤلؤة بقرب مثيلتها والتي حزت على كل واحدة منها بكفّي بعد رحلة شاقّة، أو ماتعة، أو مجهولة البوادر والعواقب، مغمورة بالألطاف والرحمات مهما بدر منّي من جهل وتقصير.

أحببت جدًّا فكرة أن أقتني أشياءَ توثّق هذا المعنى وأهديها لنفسي، لتذكرني به، تشعرني بأهمّية ما حزته خلال مرحلة العشرين التي لا يدرك قيمتها إلا من عايشها كاملة، بكل تيهها وضلالها، ونورها ودلائلها، بكل حماساتها وانطفاءاتها، بكل معاني الحب، وما ظنّناه حب، وما لم نظنّه حب، بكل شخصيّة تلبّست بنا واعتقدنا بأنّها شخصيّتنا، وبكل تجربة عبرنا بها وآمنّا بأنّها محطتنا الأخيرة والملائمة، بكل الشك واليقين، والإيمان والخوف، فكم أنتِ مذهلة أيّتها العشرين.

اقتنيت أشيائي المحبّبة على مهل، حسب ميزانيّتي وفرصي المتاحة لإيجاد ما يلائم ذائقتي. ولأنني أتأنّى كثيرًا قبل ضم أي قطعة جديدة لأشيائي وكأنّني سأتبنى صديق مخلص، ولأنني أحرص على إيجاد جاذب معنويّ في مقتنياتي قبل أي اهتمام مادّي، كانت القطع التي اقتنيتها عزيزة عليّ. أعزّها تلك التي توثّق القيم التي بتّ أتمسّك بها وأحاول جاهدة أن أحققها في ذاتي وحياتي.


القوّة والصبر:

أذكر قبل كم سنة، رغبتي الجامحة في أن أكون قويّة، وفعلاً لحظتُ طيلة تلك الفترة كيف أن نفسي تقدّم محاولات حقيقيّة في القوّة، بعضها نتج حتى دون وعيّ منّي، ربما لأن العقل الباطن يستوعب ما نرغب به بشدّه ونوثقه في دفاتر أمنياتنا. أعترف بأن تلك الرغبة بالقوّة المطلقة تخلّلتها مفاهيم وتجارب خاطئة وقاسية على نفسي، كانت عواقبها درسًا لاستيعاب التوازن والصبر، الصبر على الأمور التي لا أملك قوّة أو سلطة عليها. والتي تستنزف جلّ الطاقة، في حين كان المفترض أن لا أوليها كل هذه الطاّقة. بالمناسبة أكثر الأمور التي تتملّكنا (تتملّك شعورنا وتركيزنا وتوجهنا العاطفي والجسدي) هي الأمور التي لا نملكها، أي لا نملك حيالها قدرة على السيطرة أو التغيير.

الخلاصة هي أنني أنفر من الضعف المقرون بالصبر، كما أمقت القوّة المقرونة بالعجلَة واستجداء النتائج، أعظم ما استقر في نفسي بعد العشر سنوات الأخيرة هي التطلّع للقوّة مع التأنّي. فالعجلَة تستنزف قوّة أكبر دون نتائج مجدية، والصبر يوفّر الطاقة ويعطيك النتائج في توقيتها المناسب، والذي لا تحدّده أنت على كل حال، فوفّر طاقتك. معونة الله لي لاستيعاب هذا المعنى خفّفت كثيرًا من تذمّري من الظروف أو تغيير طباع الآخرين أو الأمور التي تسير عكس تيّاري وسيناريوهاتي. نعم، الضعف استسلام والقوّة سلام، والعَجَلة مفرّ والصبر مُستقَر!

 

تجلّيات السعادة:

بعد أمواج متلاطمة وآلام متكرّرة في سنواتي الماضية، رسوت على بر الأمان، الأمان النفسي الذي أشعرني بأن السعادة تعتمد أكثر على دواخلنا وليس ما يهبه لنا المحيط الخارجي. أحسست بأن احتوائي لمشاعري بشكل دائم ومسؤوليتي تجاهها هو ما يمكنه تعزيز التغيّر والتحسّن بعد فترات الحزن أو الألم أو الشتات أو غيرها من الموجات الشاقّة على النفس. أحسست بأن المفتاح بحوزتي، وليس من حقّي على نفسي أن تتلاطمني الحياة وكأنني رهينة لها، متى ما سلمتْ سلمتُ، ومتى ما انقلبتْ انقلبتُ. تأكدت في أكثر من فترة بأن رضاي عن الله وعن نفسي وعن الحياة بهباتها الشحيحة أو الكثيرة يجلّي السعادة بنسبة أكبر.

الرضا عن الله والحياة باب واسع وفُسحة للروح، ولا يسعه حديث إنسانة تجاهد أنانيّتها الدنيويّة وتقصيرها مثلي. لكن اللفتة هي عن الرضا عن النفس، تفكرت في كيفيّة أن أكون صديقة لنفسي تمامًا كما أكون صديقة للآخرين. كيف أتعامل مع نفسي بالصدق والوفاء والتواصل والعناية والرعاية! فنحن جيّدون جدًّا تجاه أصدقائنا، لكننّا نهجر دائمًا الصديق الأقرب لنا، ألا وهي ذاتنا. فكيف نواسي ذواتنا في الحزن، كيف نشحذ همّتها في الوهن، كيف نعذرها في حال الإنهاك والإجهاد، وكيف نحبها شكلًا ومضمونًا ونفتخر بها، هذا ما أعنيه بالرضا عن النفس.

ربما كان هذا هو منطلق فكرة إهدائي لنفسي، ولم أزل أضحك على خيبة بعض أحبتي الذين رغبوا بإهدائي أشيائي المحبّبة التي أثرثر عنها، لكنني سبقتهم باقتنائها وشرائها. فدائمًا ما تكسب الأشياء المُهداة جمال وقدر مُهديها، وحين نهدي أنفسنا أشياء محبّبة بهذه النيّة، يولد في النفس شعور بالإجلال، والاحترام والتقدير، لا أستطيع وصفه بدقّة، لكنّه شعور لطيف وطبيعي جدًّا، ومن أبسط حقوقك كذلك!

اقتنيت خاتمًا فضيًّا من متجر حُسن بنقش كلمتيّ صبر وقوّة، رغم تعدد الخواتم والعبارات، لكنّ بمجرّد تصفّحي للمتجر وقرائتي للكلمتين التي تمثّل اهتمامي الحالي بهتين القيمتين، وقع الاختيار عليه. كما اقتنيت أقراط فيروزيّة بنقش جميل لكلمة سعادة من ذات المتجر. واقتنيت أشياء متنوّعه للهوايات والكتابة، وقلادة وساعة ذهبيّة، وأشياء للعناية مع إطار خشبي كتبت فيه اتفاقيّة لطيفة للعناية بصديقتي بشرى.

هنا فيديو متواضع لمقتنياتي التي وثقتها..


الجميل في تلك العلاقة الوثيقة التي يمكننا أن نبنيها بيننا وبين أنفسنا هو الشعور بالغنى، وليس الاستغناء. فالآخرين جزء لا يتجزأ من حياتنا وطبيعتنا البشريّة، لكن أن تكون سند لنفسك، هو مطلب وليس اختيار، وهو بإمكانيّة كل فرد، لأنّه معنويّ بالدرجة الكليّة، وما علينا سوى النيّة!

 

الخميس، 22 يوليو 2021

عيدكم فرحة

 


عيدكم قبول ومسرّة، أنس وبهجة وعافية، كل عام ونحن نرفل في نعم الله، وفضله العظيم، ونشكره بالفرحة ونشرها، عيدكم فرحة أحبتي =)


السبت، 10 يوليو 2021

حكايا حيّ الزهور


الأشهر الماضية كانت أشهر انتقال لمنزل جديد، منزل يضاف إلى قائمة المنازل التي سكنت بها منذ النشأة وحتى هذه اللحظة، والتي دوّنت عن حكاية كل منزل منها في تدوينة سابقة بعنوان (منــازل). وذلك لأنني أؤمن أن الإنسان يتشكّل بفعل بيئته ومسكنه. فهذا المنزل الجديد ليس محور حديثي، بل حديثي سيكون عن المنزل الذي انتقلت منه، والذي عشت فيه أكثر من ست سنوات. فحين كنت أحزم أمتعتي، وأنتشل تفاصيلي من الزوايا والجدران، أخذت أتأمّل المكان، خاصّة بعد أن غدا خاليًا تمامًا، من كلّ شيء، عدا الشعور. فلقد شعرت بالامتنان لهذا المنزل بشكل مثير، ربما لأنّني واجهت فيه مراحل مفصليّة من عمري، والتي أعتبرها مراحل الوعي والنضج الركائزي والذي قد ترتكز أو تعتمد عليه توجّهاتي الأساسيّة في الحياة، مع الاعتبار بأهمّية كل مرحلة سابقة في حياتي، في أي فترة وفي أي مكان كانت. الجدير بالذكر هو أنني بعد أن لمست مشاعر تجاه تلك الحجرات الخالية، آثرت أن أمتن لهذا المنزل هُنا، ذلك المنزل اللطيف، الذي يحمل رقمًا مميّزًا في لائحة عريضة، وسطَ حيّ الزهور.

كنتُ أسكن في منزل يصطف بين أقرانه في مجمّع سكني ذو ثلاثة أحياء، أحدها حيّ باسم حيّ الزهور. وكم أزهرتُ في هذا المسكن، وكم ذبلت، كم من الحكايا التي حواها، والدروس التي أملاها. عشت خلال تلك السنوات ضياعًا وتيهًا، ووهنًا وضعف. عشت فيها انتفاضة ذاتيّة، ومعونة إلهيّة، كانت جدرانه شاهدة على بكائي، وكانت سجّداتي ووسادتي أكثر ما تمرغّت به. أذكر جيّدًا كيف كان هذا المنزل فارغًا من أحبتي حينًا، وممتلئًا في حين آخر، فقد لقّنني آلام الوحدة وآمال الاعتماد على النفس بعد الله، أبصرني كيف للمكان أن يتبدد ثم يتجدد، وكيف للحياة أن تستمر رغم كل شيء، وكيف ينفذ النور من النوافذ التي كانت مصدرًا للحلكة والانطفاء. كانت أروقة حيّ منزلنا الهادئة ملجئًا، وصداقاتي ولقاءاتي الجميلة مع الجيران وفتيات المجمّع السكني في النّادي أو منازلهنّ فُسحة. احتوتني أشجاره المتناثرة على أرصفة الممشى، وآنستني عصافيره وحماماته، وأبهجتني أغصان الريحان عند عتبة الباب، حين كنت أقتص منها خلسة وأتركها تنمو أمام مرآي في زجاجة أنيقة، واحتضنتني مراجيح حدائقه تحت المطر، لتجعلني كطفلة تلقي بهمومها مع كل قفزة هوائيّة نحو السماء.

مررت فيه باختبارات ووثبات، وعرفت أخيرًا خلال تلك السنوات قيمة كل ما مررت به، وإشارات كل ما عبرت به، أبصرت نوري ومصادر سروري. وأدركت فيه أعظم تجاربي الشخصيّة والاجتماعيّة والعلميّة والعمليّة. تغلّبت فيه على الانطفاء، صقلت العلاقات، وعيت أكثر بالظروف الأسريّة والشخصيّة، حصلت على شهادة الماجستير، جربت أول وظيفة، عايشت رحيل الأحبّة والفقد، وغيرها من التجارب الكبيرة. كما اهتديت فيه إلى صغائر الأمور التي تشي بعظائمها. فأنشأت من زواياه عالمًا لي، واحتوت جدرانه مكتبي الأوّل، وخريطة العالم التي نصبتها على جداريّتي الخشبيّة، وبدأت أسافر عبرها مع كل رواية أو سيرة أقرؤها، ملأت تفاصيلي بالشموع، وأرففي بالإضاءات المتدلّيّة، مارست بهجتي، أعمالي، فضفضاتي، وأكثر من ذلك، في ذلك العالم الصغير. فعلاً لم أكن أدرك أثر تلك الحجرة الصغيرة والمكتب المتواضع الذي كان لبشرى أرضًا وسماء، وربما كان هذا أكثر ما أمتن لهذا المنزل عليه، مساحتي الشخصيّة الملهمة، والتي أخذت تتسع شيئًا فشيئًا، مكانيًّا ومعنويًّا. خاصّةً مع فترة الحجر المنزلي وانغلاق العالم على بعضه، فكانت متنفّس لي.

أعلم بأن الكثير من الأوقات قد نقضيها خارج المنزل، كزيارات الأقارب، أو مقرّ الدراسة أو الوظائف، أو السفر، أو ارتياد المرافق المحبّبة، كالمقاهي أو المنتزهات، لكنني شخص يقدّر أوقات المنزل، قلّت أم كثرت. يقدّر الأماكن الدافئة في المسكن، والتفاصيل الجميلة، وأدق الأمور التي تصنع روتيني فيه. لذا أنا شديدة الامتنان لتلك التفاصيل. ويعز عليّ أن أقول وداعًا لحيّ الزهور، لحجرتي وسريري، لزاويتي ومقعدي، لنافذتي وحماماتي، لسطح المنزل وزيارات القمر، للمسجد والنّادي وللعب الصغار، للممشى والأشجار، للمقاعد الخشبيّة حول الأزهار، لنوافير الماء، وأحاديث الأصدقاء، وحسبي بأنّها خالدة مخلّدة في شعوري، ممزوجة بذاكرتي وشخصيّتي، وهذا أجمل امتنان ووفاء.

هنا تفاصيل متفرّقة لذكرياتي في منزلنا وحيّ الزهور، اضغط على الصورة لعرضها بحجمها الطبيعي..











الخميس، 17 يونيو 2021

تلويحة قلب ~


السادس عشر من يونيو، كبرت بشرى الصغيرة، وحان لها أن تغادر العَقد الثالث، ولربما كانت هذه الخطوة أكبر من أن تُختزَل في تدوينة فضفضة كهذه، ولقد أعددت لها تدوينة خاصّة أظنني سأجعلها بعنوان "العِقد الثالث"، والكسرة هنا صحيحة وليست مغلوطة^^ لكنها لن تنشر ريثما أتفرّغ لها، وأملؤها بما تستحق إن شاء الله. نعم، فالتلويح لمرحلة العشرين العزيزة ليس سهلًا، كما أن الإقبال على الثلاثين واحتضانها ليس سهلًا كذلك، لابد من وجود التقبّل لهذه الرحلة، وحمل الأمتعة اللازمة مما مضى، وإفلات الأثقال المنهكة، والتي تفقدنا توازن التحليق نحو رحلة العمر. أما هنا، وفي هذه السطور، فسأنثر الشعور، كما يتجلّى في نفس اللحظة التي أنقر فيها على مفاتيح الأحرف، لتولَد الكلمات الخالدات، والمعاني الصادقات، عنّي.

أدرك في هذا التوقيت، بأنني أكبر ويكبر قلبي معي، يتسع أكثر ليحوي معانيَ أكبر، عن الحب والقوة، والصبر، والحزن، والتقبّل، والثقة، والصدق، والخوف، واليقين، وأكثر. يتسع بقدر تمدّد أيّامي وعلاقاتي، ومساراتي ومشاعري تجاهها. أشعر بذلك الاتساع وأتلمّسه في مواضع مختلفة عايشتها خلال سنتي الأخيرة، وكيف لقلبي أن يمنح تلك المعاني أبوابًا وأمكنة، لكن ليس بالضرورة أن يمنحها كلّها إقامة واستدامة. ولحظتُ بأنه عندما لا يبدأ قلبي في الاتساع لاحتواء ما أعايشه، وبدأت الأمكنة تضيق والأبواب تتصافق، ألجأ لمصدر السّعة، وملهِم الفتوحات، ومسخر الأرض والسماوات، ربي.

تيقنت بأن التعلّق بالله في كلّ شاردة وواردة في حياتي يمكّن هذا القلب من أن يعود لمضغطته الأصل، ويتشكّل، ويتجدد بتجدد الأيّام والأزمان، ويعالج انفطاراته بفطرته التي فطره الله عليها. وحينها، يبصر ما لم يكن يبصره، ويضع الأمور في أمكنتها، بل ويلاحظ وجود أماكن زائدة وشاغره، يتأهب لأن يحب مجدّدًا، يستقبل التحديات مجدّدًا، يتصور الخوف ومواجهته مجدّدًا، ويؤمن مجدّدًا. تيقنت بأن قلبي يصدأ ويُصفّى ويجف ويمطر ويزهر، وبأنّه لن يستقر في أي موسم من هذه المواسم، فالقلب دائم التقلّب، ومطالب بالتقبّل، في كل فترة أو سنة عمريّة.

وبعد هذه السنة، أظن بأنني اليوم أقرب لبشرى، أفهمها وأحبها، وأرعى مكنوناتها، أعينها على الحياة بدل أن أطلب من الحياة أن تفعل ذلك، وألقي باللوم على تلك الحياة إن لم تفعل ذلك، وعلى فرصها التي نراها فائتة، وأحداثها المتسارعة، وزحامها ومنحدراتها الفجائيّة. وليس من الأنانيّة أو الحرَج في شيء تلك الرعاية الذاتيّة والإدراك الصادق للنفس ومدخلاتها ومخرجاتها. فمنّي سلامٌ عليّ، وعلى أياّمي وسنيني، سلامٌ على ما فات، و على ما سيأتيني. كل عام وبشرى بخير.. ونعم الله عليها بخير.. وأحبابها الغالين بخير.. وقلبها بخير.


السبت، 22 مايو 2021

جوّانيّات بعد منتصف الليل

 


الساعة تشير إلى الثانية عشر والنصف بعد منتصف الليل، القلب يحبو باتجاه الورق، ويناغي بأحاديث جوّانيّة، لم أفهم ما يريد قوله، حتى كتبت، وهذا ما كتبت..

 

أشياء،

على مهلٍ تتكشف الأشياء، تتعرّى من الفضول والدهشة، والأسئلة والأجوبة، وتطفو فوق سطح القلب، دون تجديف أو عناء، تطفو بحقيقتها، في زمنها الخاص، بخفّتها أو ثقلها. على مهل، مهما كنّا نهرول أو نجري او نستميت لأن نصل إليها، أو أن نحاول فهم تفاصيلها وإدراك كنهها. تلك الأشياء، تأخذ نصيبها منّا، من هواجسنا، نبضاتنا، دمعاتنا، مخيّلتنا، مشاعرنا، لترينا الحقيقة كما هي، وليس كما بكيناها، وعشناها، وحدسناها. وسواءًا أغرقنا أم نجونا، ستطفوا بذات البحر الذي ركبناه، ليشهد العالم عدالتها، كتراديجيا تبتدء بالنداءات المستغيثة، وتنتهي بالتصفيق، وتُنسى.

 

نسيان،

رغباتنا في نسيان ذكرى، تجعل منها أمرًا عالقًا بداخلنا، النسيان لا يستجيب للإذعان، هو يظل مذكورًا ما ذكرناه، وفتشنا في تفاصيلنا عن كل ما ينافي تلك الرغبة، فالذكريات مولج الحكايات، ولن ننسى ما دمنا نستذكر ونفكر. النسيان هبة الدهر، أيامًا فوق أيّام، أعوامًا بعد أعوام، حتى تتبدّل الذكريات، والمفردات، والأبطال، والتضحيات، حينها يستحيل النسيان إلى تذكّر من دون ذكرى، واستشعار من دون شعور، تغدو تلك الحادثات كسيرة ذاتيّة، نقرأها، لكن لا تؤجج فينا الرغبة للعودة إليها.

 

عودة،

من جديد أعود، بكل الوعود، بأن أبرم مع نفسي عهدًا دون خط رجعة، دون التراجع إلى منحدرات انزلقت بها، وهويت إلى قاع سحيق. أعود الآن بنيّة ألا أعود، أن لا أقضي ليلة إضافيّة أو حتى نصفها في سراديب شوّهت فيها بساطة ذاتي، وقداسة قلبي، وطهر أمنياتي. أعود مفعمة باليقظة، متحصّنة بالواقعيّة، ألملم أشلاء المثاليّة، وأنطق قسمًا صادقًا بأنني وجدتني، ولن أضيّعني.

 

صدق،

هل يحتمل الصدق شيئًا من الكذب، شيئًا من الكذب الأبيض، كي نبقى بخير وبقلوب بيضاء؟ هل يحتمل أن نكون أبرياء وأشقياء في آن؟ كي نظلّ أطفالاً؟ أن نجعل للصدق مواثيقنا الكبرى، ونجعل لتفاهاتنا فرصة الإخفاء، وأن نظل برغم هذا أوفياء؟ هل يحتمل الإنسان فينا ذلك، دون أن تروّعه هواجس الضمائر، وتباغته مفاجآت القدر، وتحاكمه نوايا الأقران؟

 

نيّة،

لننوي، فإنما الأعمال بالنيّات، وبها تتحقق الأمنيات، لننوي أن نكون ذوي أجنحة لا تتكسر، وأصوات عالية لا تخبو بفعل الحزن واليأس، ونفوس زكيّة، لا تتدنّسها الظروف السوداء التي تمرّ فيها. لننوي أن نحِب، وأن نحَب، وأن ننجب الحب ونكثّره وننشره، لننوي أن نكون أهلًا لهذه الحياة ولما بعدها، وأن نبدأ كلما انتهينا، وننتهي كلما شعرنا بأننا لم نبتدئ، لننوي أننا سنجد بداية جديدة بعد كل نهاية، وبأننا حتى وإن فقدنا الوجهة، ستنبت من تحت أقدامنا زرعة تشير بغصنها للسماء.

 

إشارة،

حين تشكل علينا العبارة، تكفينا الإشارة، تغنينا النظرة عن العبارات، والقبلة عن المجادلات، والكلمة الشافية عن سطور من الاعتذارات. كم في الإشارة من اختزال للزمن والتردد والأنانيّة، وكم فيها من زخم الشعور. ولو تلمّسنا تلك الإشارات العابرة، لاكتفينا، ولأدركنا بأن في القليل الشيء الكثير، وبأن العطاء يتنامى بالبهاء، ولآمنا بأن القلب يهوى أقصر الطرق إليه.


الأحد، 16 مايو 2021

البوصلة المقدسيّة


في الواقع كنت في تردد قبل نشري للتدوينة مظنّة أن أُصنّف ضمن المعتلين على أعتاب الأحداث بغية نشر صدى محتواهم أو ما شابه، وهذا ما منعني من نشر هذه التدوينة نفسها والتي قد قمت بكتابتها قبل فترة طويلة كونها تزامنت مع حدث يخص فلسطين فآثرت الاحتفاظ بها. واليوم ونحن نسمع بأحداث غزة وما اقترفه الصهاينة المحتلّين من جرائم فظيعة فيها وفي المسجد الأقصى والمصلّين والمرابطين نشعر بأننا في حاجة لفعل شيء بعد الدعوات والصلوات، وهو نشر الوعي. وما أثار ذلك هو أحاديث متفرّقة دارت بيني وبين أختي الصغيرة حول الأحداث الراهنة حول فلسطين، ولحظت أثناءها تدرّج أسئلتها إلى الوراء وانتقال ماذا إلى لماذا ومَن إلى لِمَن وعودتها للوراء نحو التاريخ ثم تصريحها برغبتها بأن أحكي لها القضيّة من البداية.

تذكرت عندها نفسي حين كنت في سنّها أو أكبر بقليل، حين كنت أشاهد الأخبار والأحداث الفلسطينيّة وكأنها تُبث عن شعب أو أناس غرباء مستضعفون يجب أن أدعي لهم، دون الشعور بانتماء آخر أكثر ترابط بتلك المشاهد، حتى نمى وعيي واتسعت رؤيتي بفضل طرح العديد من الأسئلة على من حولي وإشباعها بالمصادر الصحيحة. وهنا عدت لمستند التدوينة وقمت بتنقيحها ونشرها:

حين نجس نبض شعورنا تجاه قضية فلسطين نبدأ بالشعور بشيء من التشتت، (بماذا يجب أن نشعر، وماذا نفعل، وهل فعلًا نحن على حق؟) والذي يصدر من جهلنا بانتمائنا، فالبعض يغض الطرف كونها قضية شعب، والبعض يجادل فيها كونها قضية شعب كذلك! فمن يغض الطرف يتخذ بوصلة (يا الله السلامة) ومن يجادل يتخذ بوصلة (التدخل في شؤون سياسيّة) والهجوم على الشعب أو الهجوم على المحتل. وكلا البوصلتين متذبذبتين كونهما لا تؤدّيان إلى وجهة ثابتة (لا تتبدّل) بفعل تغيير نمط ذلك الانتماء للقضيّة أو الأوضاع السياسيّة!!! فمن يغض الطرف اليوم قد يلتف إليه غدًا ويبدأ بالخوض في القضية لحاجة في نفس يعقوب، ومن يقف مع الشعب اليوم قد يقف مع المحتل غدًا، وهكذا...

والأمر باختصار شديد، أن البوصلة المقدسيّة تشير إلى وجهة ثابته يحملها الفرد المسلم منذ نشأته وحتى مماته، فهي تشير إلى جزء من كيانه، فهي لا تشير على الإطلاق إلى ملف قضيّة، بل إلى (كيان هويّة). فالبوصلة المقدسيّة لنا كأفراد مسلمين نظل نواجه صراعاتنا تجاه القدس بشكل دوري كون التاريخ يكرر نفسه (والتي تتمثل في حرقة التجاهل واللوم أو الرغبة في التغيير أو التعاطف إلخ) هي بوصلة بحاجه إلى إعادة ضبط لتشير إلى مبدأ سليم، نؤمن به، ونتصرف على أساسه، مهما تطورّت أبعاد تلك القضيّة، وهو مبدأ الهويّة. وتلك البوصلة لن تشير بشكل قوي إلى ذلك المبدأ بكل عواطفنا وإدراكنا وإيماننا وردة فعلنا حتى يتم إبعاد كل ما يحيط بتلك البوصلة من معادن مشوّشة تظل تتجاذب مؤشراتها بشكل متذبذب، فنغدو لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

اتبع بوصلتك:

كونك فرد يعتنق الديانة الإسلامية فهذا يحتّم عليك حمل البوصلة المقدسيّة التي توجّهك نحو اعتبار الأرض المقدّسة والمسجد الأقصى موضع قدّسه الله لإقامة شريعته وهي حق من حقوقك، كونها تضم قبلتك الأولى في عقيدتك والتي توازي في أهمّيتها أهميّة الأرض المباركة في مكة والمدينة، والتي لا يحق لأي أحد غاصب أن ينسبها إليه، ويتصرّف وفق ذلك. وهذا ما يدفع بك لرفض تبديل هذه المسلّمة بأي شكل من الأشكال. فاتبع بوصلتك واعرف وجهتك وتاريخك، أجل الأرض المقدّسة تحمل تاريخك وتاريخ عقيدتك وأعدائك. بالمناسبة، إلى الآن يوجد مسلمون لا يميّزون من هو عدوّهم، بل وقد يقفون في صفّه! والجدير بالذكر أن هذا الوعي بالانتماء المقدسي هو انتماء شمولي، يتضمّن ثلاث مسلّمات تقف في صف القدس وقفة ثابتة مهما تزعزت الآراء: مسلّمة الانتماء (الإسلامي)، ومسلّمة الانتماء (العربي)، ومسلّمة الانتماء (الإنساني)، فالقدس قبلة المسلمين الأولى، وحق الأمّة العربيّة، وصوت الإنسانيّة الصادر من التاريخ الأصل.

البوصلة المقدسيّة تقدّس فيكَ القدس، وتجعلك فرد تشير بنفس سبّابة الشهادتين إلى أولى القبلتين، وبنفس السبّابة كذلك تتهجّى آيات بنو إسرائيل على مرّ العصور لتلقّنها ناشئتك. فإن لم تحمل تلك البوصلة، وتضخ ذلك المبدأ في عروق محيطك، فكيف سينبض في الجيل القادم؟ والقدس منصورة لا محالة بأمر الله، بك أو بغيرك كفرد، لكنّك مطالب بأن يكون لك يد في ذلك. ومفردة يد هنا هي إشارة معنى، فاليد قد تكون قول أو عمل أو كلمة واحدة، المهم أن تنم عن ثبات مبدأ واحد، ووعي.. وعي..وعي. فالقدس حق من حقوقك وليست حق أو مسؤوليّة الفلسطينيّين وحدهم والذين لم يزالوا وسيظلّون صامدين لأجلها مصداقًا للحديث الشريف الصحيح:

" لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحقِّ لعدوِّهم قاهرين لا يضرُّهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأْواءَ فهُم كالإناءِ بين الأَكَلةِ حتى يأتيَهم أمرُ اللهِ وهم كذلك قالوا يا رسولَ الله وأين هم قال ببيتِ المقدسِ وأكنافِ بيتِ المقدسِ "

مشهد الوطن بشيكل:

وبذكر المرابطين في القدس، كنتُ أتابع إحدى صفحات المرابطات الفلسطينيّات التي نشرت مقطعًا قصيرًا من فيلم يندد بمعنى بيع الوطن وتخاذل الاتحاد العربي، والذي قادني لمشاهدة الفيلم كاملاً. وبعد مشاهدتي للفيلم أصرّيت أكثر على نشر المقطع نفسه بالإضافة إلى مقاطع أخرى شدتني في الفيلم. هنا المقطع يليه حديثي عن الفيلم وفكرته..

 


النص محبوك بعناية والمشهد كذلك، وربط السيناريو بالجرائد فكرة مذهلة، فالوطن العربي قد يباع بثمن بخس للعدو في ظل غياب النهضة العربية وليس المعني بأنّه لا يوجد قلب عربي لا يحمل هم تلك الوحدة وكل عربي لا قيمة له، لكن المشهد يعني غياب تلك النقلة العربيّة التي من شأنها أن تقلب الموازين في العالم عامّة وفلسطين خاصّة. شدّني المقطع ورسالته، وتكرار كلمة جرائد، فالحال منذ زمن طويل عبارة عن أخبار في أخبار والوضع في انحدار.

 الفيلم يُدعى "الزمن الباقي" وهو فيلم درامي فلسطيني من كتابة وإخراج المخرج الفلسطيني إليا سليمان وإنتاج أجنبي، وبالرغم من تحفّظي على بعض محتواه إلا أن مشاهده قامت بتجسيد معاني عميقة بأسلوب ساخر وتجريدي. الأسلوب الإخراجي للفيلم يشبه فيلم " About Endlessness " والذي اختصيته بتدوينة مستقلّة (تجدونها هنا)، وذلك من ناحية اللمسة الفنّية والصمت المخيّم على المحتوى إلا من نصوص قصيرة مفعمة بالعمق والرسائلية. كأحد المشاهد التي تصوّر اقتحام شرطة الاحتلال لمنزل فلسطيني وعثورهم على "البرغل" وسرقته معهم، وبعد مدّة يقدم شرطة الاحتلال ليزوروا المنزل ويقدموا طبق التبّولة لأحد المواطنين. وهذا يختصر الكثير في كون الكيان الصهيوني المحتل يجودون على الغير بما سرقوه أصلًا بل وينسبونه لهم! وفي مشهد آخر يعبر أحد المارّة أمام مجموعة من الرّجال فيقترب منهم مادًّا كفه للسلام، وحين مدّ الرجال كفوفهم له، سحبها مباشرة، وهي رسالة واضحة للإيهام بالسلام الذي يُطالب به اليوم ويدعون إليه! وغيرها من المشاهد التي أحيي المخرج على بلاغتها.

وأخيرًا، أحببت الإشادة بهذا المقطع من ذات الفيلم. هنا نرى الفلسطيني الذي لا يخشى العدو الصهيوني ومدى عدم اعترافه بوجوده بتاتًا، بينما نرى العدو الصهيوني الذي يحسب للفلسطيني ألف حساب..



إن حمل البوصلة المقدسيّة هو ما يوجّه ردة فعلنا كأفراد أو كمناضلين أو أدباء أو فنّانين، وبقدر ما كانت البوصلة سليمة الوجهة بفعل غياب المؤثرات الخارجية بقدر ما ستكون مجهوداتنا لنشر الوعي والتاريخ الصحيح قويّة، ورسائلنا صادقة، عميقة التأثير، وصانعة لجيل يعرف عدوّه، فكيف يطالب بحقه من العدو من لا يعرف العدو ولا يعرف حقه!

 

الجمعة، 14 مايو 2021

عيدكم تجديد ~

 


الحمد لله على السلام والتمام، كل عام وأنتم بخير أحبتي ولكل زائر لمنزلي في هذا العيد، كل عام وعيدنا جميعًا سعيد و موسم تجديد، تتجدد فيه أفراحنا ونوايانا لخير أوسع ومساعٍ أنفع تتكلل بالتوفيق والقبول <3


العِـقد الثالث ~

  عَقدي الماضي كان ثمينًا، ولم أجد ما أعبّر به تجاهه أثناء توديعه إلا بوصفه عِقدًا ثمينًا، نسجت فيه لآلئ نفيسة، كل لؤلؤة كانت نتاج رحلة غوص ...