قواميس أخرى للحب

أنا التي أعطي الحب كثيرًا بت أستهجنه، وكأنني أتعرف عليه من جديد، وكأنني أبني معه قاموسًا مستحدثًا دون مرجعيّة توكيديّة، بل تجربة ذاتيّة شعوريّة. ولا أعني هنا حب من حولي فحسب، بل حتى حبي لنفسي.
وكأنها مرحلة لقشرة انزلقت، نحو لُب جديد، حب جديد، لكنه غريب، كونه غير مباشر في التعبير عنه وغير صريح، تحتاج للتعرف عليه و للوصول إليه إلى تروّي وإنصات للصمت وهدوء. تحتاج إلى إزاحة مثيرات المشاعر التي حسبتها حبًّا لوقتٍ طويل، كي تفسح المجال والجمال لمشاعر جديدة نابعة من ذلك اللب.
لن أستعجل الرحلة، فأنا ما زلت أتعلم كيف أنصت لها، كيف أفهمها، وألبيها، لأنني لا أملك لها قاموسًا مسبق كفهرس يدلني مع كل شعور نحو وسائل تلبيته، ما أملكه فقط صدق رغبتي في فهم لبّي وتفهّم حبّي.
حسنًا، بقدر ما هي التجربة محيّرة بعض الشيء إلا أنها مثيرة، خاصةً حين تدهشك لحظة استبدال شعور في قاموس الحب القديم بمعنى جديد، لم تكن مسبقًا تربط بين ذلك الشعور ومعناه بصلة حقيقيّة وتعيش بها، تشعر بالراحة لتصحيحك لمفهوم، للوصول إلى محطة أمان، ولوضعك قطعة بازل في مكانها الصحيح تمامًا.
أعود إلى القاموس فأفهم كم من القوائم التي يجدر بي استبدالها، فالداخل لا يتعافى بالخارج، والفراغ لا يُلبّى دائمًا بالامتلاء، والحزن لا يزول بالضحك، والاستحقاق لا يُشبع بالإنجاز، والصدمات لا تُشفى بالقفز والاجتياز، والخوف لا يُأمَن بالهرب، والوجع لا يضمّد قبل أن ينزف، والملل لا يُحل بالعمل.
قد يكون التعافي بإدراك حجم المعاناة، وقد يكون الفراغ بحاجة إلى استفراغ، وتصفية من كل امتلاء لا يُسمن ولا يغني من جوع، بل يُعيدك فارغًا بهوّة أكثر عمق، وقد يكون الحزن بحاجة إلى تبية نداء البكاء حيثما آن، والاستحقاق إعادة تعريف قيمتك عند الله، والصدمات والجراح ضوء مسلّط على طريقة تعاملك مع يومك وأمسك ومستقبلك، والخوف يريد منك مواجهتك لضعفك وتعلّم الشجاعة، والوجع يطلب منك أن تتريّث حتى ينتهي ثم تخيطه الأيام، والملل يلفت انتباهك للوحي ولصوتك الداخلي الهامس ولصوت الصمت والشوارع وتغريد عصافير نافذتك.
أن تحب لا يعني أن تَغمِر أو تُغمر بالحب، بل أن تتعرف على معنى نقيضه فيك، فتحبّه وترضى به وتتعلم طريقة للعيش الآمن معه، فثمة معانٍ أخرى للحب ولغة تخصّك أنت دون أيّ مرجعيّة، دون لافتات وفوانيس، لكَ حريّة البدء بتهجي أول حرف، وتأليف القواميس.
تعليقات
إرسال تعليق