حين تكشّر الدنيا عن أنيابها

" هذي الدنيا ما تسوى" أيّ أن لاشيء في الدنيا يستحق، أسمع هذه المقولة كثيرًا من كبار السن، أو ممن كبروا قبل سنهم. أسمعها ممن تفاءلوا حتى يئسوا، أو ممن يئسوا حتى تفاءلوا. فحين تكشر الدنيا عن أنيابها، تضطرهم للتغابي ومجاملتها بأن أنيابها تلك محض ابتسامة عريضة لها.
لا أعلم ما تصنيفي من بين تلك الفئات المؤيدة لهذه المقولة أو الحقيقة، لكنني قبل أسبوعين وأثناء تواجدي في مقر عملي، تلقيت خبر غرق غرفتي بفعل انفجار أنبوب الماء، وحين أقول غرق فهو غرق فعلي، فالماء ارتفع بنسبة كافية ليغمر الجزء السفلي من الأثاث ويطفوا بكل ما هو على الأرض حتى موصلات الكهرباء، ومن رحمة الله أنني اعتدت إقفال الكهرباء قبل الخروج.
في لحظة أولى من الهلع وأنا أشاهد المقاطع المصوّرة والمرسلة لي وأنا مكبّلة بقلة الحيلة وعدم مقدرتي على الخروج حالًا لإنقاذ غرفتي وأشيائي الحبيبة، مسلّمة بالأمر وتاركة لمن يتواجدون هناك مهمّة التصرف، بدأتْ ذاكرتي باسترجاع كل ما هو على الأرض وطاله الغرق، وتصنيف أهميته ومدى تقبلي لتلفه، فتذكرت دفتري الثمين السمين والذي يلتهم كل ذكريات سنواتي الماضية، جهاز الكومبيوتر المحمول الخاص بالعمل، حذائي الرياضي الجديد الذي اقتنيته وأنا أفكر في ثمنه الغالي. وصل قلق التوقعات إلى ذروته، ثم استحال فجأةً إلى ذرّة، وبرود أجهل مصدره، لكن مفاده: ماذا لو غرقت تلك الأشياء وتلفت؟ ماذا لو لم تبقى؟ لكن بقيتُ أنا، حاضنةً قلبي في جوفي، قلبي الذي فيه أثمن الأشياء وأغلاها، الأشياء التي لا تُشترى، ولا تبلى حتى مع الثرى.
بعد عودتي للغرفة هارعةً نحو أشيائي المبثوثة تحت أشعة الشمس، أتفقدها وأفحص كل ما نال منه الماء، وجدت أغلب ما خفت منه لم يحدث، وأن أشيائي الثمينة حال بينها وبين التلف لطف الله المحض، فالماء طال الحقيبة لكنه لم يطل صفحات الدفتر ولا الجهاز، والماء طال الأحذية لكن الجفاف أعادها كما كانت، أما ما تلف من باقي الأشياء لم يشكل خطرًا على حياتي العاطفية أو المادّية. صحيح أنني اطمأننت كثيرًا لذلك، وحمدت الله على الحفظ والسلامة مما هو أفظع، واستعذت من فقدان أي شكل من أشكال الرزق، لكنني لم أنسَ وقفتي الإدراكية تلك: ماذا عن خسارة أشياء ثمينة وبقاء ما هو أثمن.
بالعودة من هذا الموقف البسيط إلى موقفنا من الدنيا، أفكر في المراحل القاسية فعلًا، والمتعلّقة بمرض، أو فقد قريب، أو خوف شديد، أو كرب نفسي، أو معاناة مجهولة المصير، أو مصائب لا نجد لها أي تبرير، أو انقطاع الحلول بشكل خانق ونحن في مأزق، أفكر في حين تغرق الدنيا بنا وينال طوفانها من أسباب سعادتنا وراحتنا وأماننا، وتقوم ببعثرة أفكارنا ومشاعرنا بكل قسوة، حين تتشوّش رؤيتنا وتزداد ضبابيّة وجهتنا، حين نهاب الموج، ونخشى قبضة الأنياب، حين تقوى الريح وتتصافق الأبواب، حين تكشّر الدنيا حرفيًّا في وجوهنا، وتقلب الأمور رأسًا على عقب، بماذا نفكّر؟
أظننا مباشرة سنفكر في مصفاة الفقد والخسارة، ماذا أخذت منا، وما أثره علينا، وما مقدار وزنه في دواخلنا، ولعلّ هذه المصفاة هي مَن قادت تلك الفئة من الناس إلى الخروج بمقولتهم الوعظيّة، فلعلّهم أدركوا أن ما يتبقى في قعر المصفاة بعد تلك الخسائر هو ما يسوى، شريطة أن تكون المصفاة غير دنيوية وغير منحازة للخلود والتعلق بالموجود، وترجح بكفّة القناعة والتسليم بأن ما سيذهب فهو تحت مشيئة الله، وأن ما يبقى فهو بلطفه المحض وحفظه وكرمه، مستثنية كلّ الأسباب ووزنها، هنا سنرى أن بحوزتنا ما هو أثمن من الدنيا وما فيها، وهو ما سيبقينا على قيد الحياة، لا وضعية النجاة، ويمتّعنا بمذاق أبسط الأمور كالنّفَس والهواء مهما نال منّا الموج، ألا وهو القلب.
فقل لي ماذا يوجد في قلبك، أقل لك ما حجم خسارة دنياك.
تعليقات
إرسال تعليق